تتبنى وكالات الاستخبارات، بهدوء، مفهوم التنوع العصبي عبر الاستفادة من المهارات الفريدة للأشخاص ذوي التوحّد في مواجهة تحديات تحليل البيانات المعقدة والمعلومات الجغرافية المكانية. واستلهامًا من برنامج عسكري إسرائيلي أُطلق قبل نحو عقد، تقود الوكالة الوطنية الأمريكية للاستخبارات الجغرافية المكانية جهودًا لدمج محللين من ذوي الاختلافات العصبية في وظائف مرتبطة بالأمن القومي.
لكن مع التقدم السريع للذكاء الاصطناعي وبقاء هذه الفرص محصورة في نطاق ضيق، تبرز تساؤلات حول مدى استدامة هذا الدمج وآفاق التطور المهني المتاحة لهؤلاء العاملين المتخصصين.
Meric Sentuna Kalaycioglu
2025/10/9
Chinese version| English version |French version | Spanish version
في 22 سبتمبر، أعلن الرئيس دونالد ترامب ووزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي روبرت إف. كينيدي الابن خطة عمل لمواجهة ما وصفاه بـ«وباء التوحّد». ويُشخَّص اليوم طفل أمريكي واحد من بين كل 31 طفلًا بأنه على طيف التوحّد، بزيادة قدرها 400 في المئة منذ عام 2000. وبينما قوبلت هذه الخطوة بالترحيب والانتقاد في آن واحد، مرّ تطور آخر يمس مجتمع ذوي الاختلافات العصبية من دون اهتمام يُذكر. إذ بدأت وكالات الاستخبارات، ولا سيما الوكالة الوطنية الأمريكية للاستخبارات الجغرافية المكانية (NGA)، بالاستفادة من مصدر كفاءات لم يحظَ بالانتباه الكافي من قبل: الأشخاص ذوو الاختلافات العصبية، وخصوصًا المنتمون إلى طيف التوحّد.
واستلهمت هذه البرامج نموذج الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهي تعيد تعريف معنى الخدمة في البيئات عالية المخاطر. فبدل النظر إلى التوحّد بوصفه عائقًا، بدأت الوكالات تدرك نقاط القوة الاستثنائية التي يمتلكها كثير من الأشخاص ذوي التوحّد في الأعمال المعقدة القائمة على تحليل البيانات.
وقد وُضعت أسس هذا التحول قبل نحو عقد في إسرائيل، عندما أطلق الجيش الإسرائيلي برنامج «روئيم راحوك» عام 2013، أي «النظر إلى الأمام». ويهدف البرنامج إلى دمج أشخاص ذوي توحّد عالي الأداء في الوحدة 9900، وهي وحدة استخباراتية شديدة التخصص تتولى تحليل البيانات البصرية وتفسير صور الأقمار الصناعية، بما في ذلك تحليل التضاريس. وهنا، يتحول ما يصفه البعض بـ«الإعاقة» إلى ميزة استراتيجية نادرة.
وأظهر الجنود من ذوي التوحّد في الوحدة 9900 قدرات لافتة في التعرّف إلى الأنماط، واكتشاف الحالات الشاذة، والحفاظ على التركيز لفترات طويلة؛ وهي مهارات أساسية في أعمال المراقبة والاستخبارات. وبينما كان يُنظر إلى كثير منهم في السابق على أنهم غير قابلين للتوظيف أو «غير مناسبين» للخدمة العسكرية، أصبحوا اليوم من بين أهم الموارد البشرية لدى الجيش الإسرائيلي.
ويبرز النموذج الإسرائيلي حقيقة مهمة: عندما تتوافر البيئة المناسبة والدعم الكافي، لا يندمج الأشخاص ذوو التوحّد فحسب، بل يتفوقون أيضًا.
في الولايات المتحدة، تبنّت الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية المكانية هذا النموذج عبر مشروع تجريبي استشرافي لتطوير القوى العاملة، يهدف إلى إتاحة مساحة لمحللين من ذوي الاختلافات العصبية داخل أجهزة الاستخبارات الفدرالية. ورغم أن طبيعة عملهم لا تزال سرية، فإن نتائج البرنامج بدأت تنعكس على مستوى القوى العاملة الفدرالية. ويجري الاعتراف بصورة متزايدة بقدرات المحللين المنتمين إلى طيف التوحّد في الدقة، والتقييم التحليلي، وأنماط التفكير غير التقليدية؛ وهي صفات غالبًا ما تغفلها أجهزة الاستخبارات التقليدية.
وبحسب مسؤولي الوكالة، فإن إنشاء بيئات عمل دامجة لا يقتصر على توفير فرص التوظيف، بل يتطلب إعادة تصميم الأنظمة بحيث تستوعب قدرات معرفية متنوعة. ويعني ذلك تكييف برامج التدريب، وتوفير أماكن عمل ملائمة للحساسية الحسية، وإتاحة إشراف إداري يفهم الاختلافات العصبية. وهذه التغييرات ليست مجرد مبادرات خيرية أو رمزية، بل تحسينات استراتيجية حقيقية.
ويؤكد تقرير بحثي صادر عن مؤسسة «راند» عام 2024 بعنوان «التنوع العصبي والأمن القومي» هذا التحول، إذ يبرز قدرة الموظفين ذوي الاختلافات العصبية على سد فجوات مهارية حاسمة للمهام، ولا سيما في التحليل الجغرافي المكاني ورصد التهديدات. غير أن التقرير يكشف أيضًا أن الأطر الحكومية الأمريكية الحالية لا تزال تتعامل مع الاختلاف العصبي أساسًا بوصفه إعاقة. كما يشير إلى أن كثيرًا من المهنيين ذوي الاختلافات العصبية يختارون «إخفاء» سماتهم لتجنب الوصم، ما قد يؤدي إلى ضغط مزمن واحتراق وظيفي.
ويلفت تقرير «راند» كذلك إلى ثغرات خطيرة في جمع البيانات الفدرالية، تجعل من شبه المستحيل معرفة عدد الأشخاص ذوي الاختلافات العصبية العاملين في وظائف الأمن القومي، أو عدد من يُثنيهم النظام عن التقدم إلى هذه الوظائف من الأساس. ويوصي التقرير بخطوات عملية، تبدأ بإعادة صياغة توصيفات الوظائف وتبسيط إجراءات التوظيف، ولا تنتهي بتوفير أدوات عازلة للضوضاء والسماح للموظفين باختيار أماكن جلوسهم، بما قد يسهم في بناء قوة عاملة أمنية أكثر شمولًا وفعالية.
ورغم الفوائد الواضحة لهذه البرامج، ولا سيما بالنسبة إلى الوكالات التي تواجه نقصًا في الكفاءات، فإن لها جانبًا أقل ظهورًا. ففي إسرائيل، يقر حتى قادة الوحدة 9900 بأن العثور على الأشخاص المناسبين للعمل المكثف في فك وتحليل البيانات يمثل تحديًا دائمًا. وكما قال أحد ضباط الوحدة بصراحة، فإن أفضل المجندين غالبًا ما يفضلون الأدوار القيادية، ما يترك فجوة في الوظائف التحليلية التي تتطلب تركيزًا عاليًا لكنها أقل جاذبية. أما الجنود ذوو التوحّد، فيُوجَّهون في كثير من الأحيان إلى هذه الأدوار ويميلون إلى البقاء فيها، لكن ذلك قد لا يكون دائمًا خيارهم الشخصي.
وفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، يواجه البالغون ذوو التوحّد معدلات صادمة من البطالة أو العمل دون مستوى مؤهلاتهم، تتراوح بين 65 في المئة وتصل إلى 85 في المئة في بعض المناطق. وأفادت الجمعية الوطنية للتوحّد في المملكة المتحدة بأن نسبة توظيف الأشخاص ذوي التوحّد بلغت 32 في المئة عام 2017، فيما لم تتجاوز نسبة العاملين منهم بدوام كامل 16 في المئة. وفي الولايات المتحدة، لم يكن يعمل بعد مغادرة المدرسة سوى أكثر بقليل من نصف الشباب ذوي التوحّد، بنسبة 53.4 في المئة، وفق بيانات عام 2011، وهي أدنى نسبة توظيف بين جميع فئات الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويقدّر خبراء في سياسات العمل والتنوع العصبي أن معدل البطالة الإجمالي بين الأمريكيين ذوي التوحّد يتراوح بين 60 و70 في المئة. وفي هذا السياق، قد يقبل كثير من الجنود ذوي التوحّد أدوارًا استخباراتية في الجيش الإسرائيلي أو في الوكالة الوطنية الأمريكية للاستخبارات الجغرافية المكانية، ليس فقط لأنهم يتمتعون بمهارات مناسبة لها، بل لأن الفرص البديلة محدودة. ورغم أن الجيش يوفر راتبًا، فإنه قد يخلق في الوقت نفسه شكلًا من أشكال التبعية.
ويبرز كذلك سؤال ملح يتعلق بدور الأتمتة. ففي عام 2015، أشار ضباط في الجيش الإسرائيلي مسؤولون عن الاستخبارات المعتمدة على صور الأقمار الصناعية إلى أن البرمجيات القادرة على استبدال المحللين البشريين لم تكن «في الأفق على الإطلاق». أما اليوم، فيؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا متزايدًا في تحليل الصور، واكتشاف الأنماط غير المألوفة، وتفسير البيانات الجغرافية المكانية، وهي مجالات كانت تُعد سابقًا بحاجة إلى خبرة بشرية وحكم مهني.
ومن غير المرجح أن يحل الذكاء الاصطناعي محل المحللين البشريين بالكامل في المستقبل القريب، لكنه يعيد تشكيل هذا المجال بسرعة. وقد يمتلك الأشخاص ذوو الاختلافات العصبية قدرات استثنائية تمكنهم من المنافسة في بيئة تزداد اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، وهو ما بدأت أجهزة الاستخبارات تدركه.
الصورة: 1 يناير 2025: فريق من الخبراء العسكريين في مركز بيانات ينسقون مهمة ويشغلون أنظمة التحكم بالأقمار الصناعية. أفراد من وحدات الجيش بالزي العسكري داخل منشأة خوادم يتلقون معلومات آنية من ساحة المعركة. © IMAGO / YAY Images






