كشف تحقيق استقصائي سري أجرته المنصة الصحفية الهولندية «إنفستيغو»، بالتعاون مع شركائها الإعلاميين «بوس»، و«نيدرلاندس داغبلاد»، و«دي خرونه أمستردامر»، أن مؤسسات مسيحية هولندية تموّل مستوطنات إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة بصورة غير قانونية.

فهل يمكن لموقف الرئيس ترامب الواضح الرافض للضم الإسرائيلي غير القانوني للضفة الغربية أن يضع حدًا لهذه الممارسة المستمرة؟

يؤدي التوسع في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية إلى تقليص فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة. فهذه المستوطنات تُقام بطريقة تُفتّت الأراضي الفلسطينية وتحدّ من قدرتها على الاستقلال وإدارة شؤونها. وقد كشف تحقيق مستقل أجرته منظمة «إنفستيغو» الهولندية غير الربحية للصحافة الاستقصائية عن الكيفية التي يجري بها تمويل هذه المستوطنات غير القانونية. ووفقًا للتحقيق، تُعد الولايات المتحدة وهولندا الدولتين اللتين تضمّان أكبر عدد من المانحين للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بصورة غير قانونية.

وفي قلب هذه الشبكة من المنظمات غير الحكومية يقف ناتي روم، وهو محامٍ إسرائيلي وجندي احتياط في الجيش الإسرائيلي. وقد أنشأ روم وآخرون شبكة من المنظمات الهولندية لتجاوز العقوبات الأوروبية المفروضة على المستوطنين الإسرائيليين العنيفين، في ممارسات يقول التحقيق إنها تنتهك القانون الدولي بصورة مستمرة. ويتمثل هدفهم في إقامة «إسرائيل الكبرى» التي تضم الضفة الغربية، أو ما يسمونه في خطابهم الخاص «يهودا والسامرة»، وهو المصطلح الذي يستخدمه الصهاينة للإشارة إلى الضفة الغربية.

وتُعد الجماعات المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة المصدر الرئيسي للدعم المالي للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ويتألف الإنجيليون الأمريكيون من طوائف بروتستانتية مختلفة تؤمن بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس. ويعتقد بعض المسيحيين المولودين من جديد بنبوءة دينية مفادها أن أرض إسرائيل يجب أن تعود أولًا إلى اليهود كي تتحقق شروط المجيء الثاني للمسيح. وتذهب النبوءة، بحسب هذا الاعتقاد، إلى أن من يقبل المسيح مخلّصًا له هو من يصعد إلى الجنة. أما مصير يهود إسرائيل في تلك المرحلة، فيبقى غير واضح تمامًا في هذه التصورات، لكن الخلافات اللاهوتية لم تُضعف علاقة قوية تحركها دوافع أيديولوجية وسياسية.

أما في أوروبا، فيُستخدم مصطلح «إنجيلي» غالبًا للإشارة إلى البروتستانتية التقليدية، ويكون أقل ارتباطًا بفكرة الولادة الجديدة أو نبوءات نهاية العالم التوراتية. ويشير الموقع الإلكتروني لمنظمة «مسيحيون من أجل إسرائيل» (C4I)، وهي إحدى المؤسسات الهولندية المحورية في تحقيق «إنفستيغو»، إلى أن أعضاءها يقفون تضامنًا مع أرض إسرائيل، بما يشمل أراضي «يهودا والسامرة»، وهي التسمية التوراتية للضفة الغربية اليوم.

ويمثل ناتي روم عددًا من أكثر المستوطنين عنفًا في الأراضي المحتلة بصورة غير قانونية. وقد أسس عدة مؤسسات، من بينها مؤسسة «إسرائيل هارتلاند» في هولندا، التي تهدف إلى جمع التبرعات من الجماعات المسيحية المتحمسة لفكرة الأراضي الإسرائيلية التوراتية. وتحظى المؤسسة أيضًا بمزايا ضريبية في هولندا، كما أن التبرعات المقدمة لها قابلة للخصم الضريبي. وتجمع مؤسسة «إسرائيل هارتلاند» التابعة لروم أموالًا أوروبية من جهات مثل «مسيحيون من أجل إسرائيل» لتمويل أنشطتها في إسرائيل، التي تنفذها منظمة محلية أخرى تابعة لروم.

تُعد منظمة «مسيحيون من أجل إسرائيل» (C4I) أحد أبرز شركاء ناتي روم في هولندا، وهي كذلك أكبر مؤسسة مسيحية صهيونية في البلاد. وقد ساهمت منظمات مسيحية إصلاحية هولندية، مثل «مسيحيون من أجل إسرائيل»، على مدى عقود في مساعدة اليهود الراغبين في الهجرة إلى إسرائيل، من خلال حملات جمع التبرعات، وبناء المنازل، وتقديم حزم انتقال سخية، وتنظيم مشروعات تطوعية متنوعة، بل ومنح إعانات شهرية في بعض الحالات. ووفقًا لتحقيق «إنفستيغو»، تجمع هذه المنظمات، التي تعتمد بالكامل على التبرعات، ملايين اليوروهات سنويًا؛ إذ بلغت ميزانية «مسيحيون من أجل إسرائيل» نحو 13 مليون يورو عام 2023.

لكن الإشكال يكمن في أن هذه «المشروعات الخيرية» تتجاوز حدود إسرائيل المعترف بها دوليًا، وتدعم مستوطنات تُعد مخالفة للقانون الدولي.

وكشفت العملية السرية التي أجرتها «إنفستيغو» أن هذه التبرعات تصل إلى مستوطنين إسرائيليين مدرجين على قوائم العقوبات الأوروبية بسبب استخدامهم العنف الشديد ضد المدنيين الفلسطينيين. وإلى جانب تمويل بناء المنازل في الضفة الغربية المحتلة بصورة غير قانونية، والمساهمة في تغطية الرسوم القانونية وتوفير معدات الحماية، مثل الكاميرات ورذاذ الفلفل، تُستخدم التبرعات أيضًا في دعم شراء الأسلحة للمستوطنين الإسرائيليين. ووفقًا للتقرير، كانت المنظمة التابعة لروم تغطي نصف ثمن المسدسات، بل ما يصل إلى ثلاثة أرباعه أحيانًا، فيما تُسجَّل التبرعات في السجلات تحت بنود أخرى.

وقد حظر الاتحاد الأوروبي على مواطنيه وشركاته دعم المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية، ولذلك واجه تحويل هذه الأموال إلى إسرائيل صعوبات في بعض الأحيان. غير أن روم وجد وسيلة للالتفاف على ذلك عبر استخدام بطاقات مخصصة لشراء المواد الغذائية، لكنها تتيح، في الواقع، شراء ما هو أكثر بكثير من الطعام. وببساطة، يشكل ذلك تحايلاً واضحًا على العقوبات الأوروبية. كما أن بعض التبرعات لا تُسجل أصلًا في الدفاتر؛ إذ يعرض بعض المؤيدين الهولنديين المتحمسين لمؤسسة «إسرائيل هارتلاند»، ممن يسافرون بانتظام إلى إسرائيل، حمل مبالغ نقدية معهم.

وعقب ما كشفه تحقيق «إنفستيغو»، تراجع ناتي روم ورئيس «إسرائيل هارتلاند» في هولندا عن تصريحات سابقة أيدا فيها المستوطنات غير القانونية. كما أوقفت منظمة «مسيحيون من أجل إسرائيل» تبرعاتها لمؤسسة «إسرائيل هارتلاند» إلى حين صدور النتيجة الرسمية للتحقيق الهولندي، وأكدت أنها لم تكن تنوي تمويل شراء الأسلحة، وأنها لا تروج للعنف بأي شكل من الأشكال.

وتجدر الإشارة إلى أن الضفة الغربية، وفقًا لقرارات الأمم المتحدة، هي أرض فلسطينية تقع إلى الغرب من نهر الأردن، وتخضع للاحتلال الإسرائيلي منذ حرب الأيام الستة عام 1967. وتشكل الضفة الغربية المعاصرة جزءًا من خطة التقسيم التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1947 بموجب القرار 181، والتي نصت على إنشاء دولة فلسطينية عربية، لكنها لم ترَ النور. وأدى انتصار إسرائيل عام 1967 على تحالف ضم مصر وسوريا والأردن إلى توسع الدولة وضمها شبه جزيرة سيناء، التي أعيدت لاحقًا إلى مصر عام 1979، وقطاع غزة، والقدس الشرقية، ومرتفعات الجولان، والضفة الغربية.

ويعيش في الضفة الغربية اليوم نحو 3.3 مليون فلسطيني، إلى جانب ما يزيد قليلًا على 700 ألف مستوطن يهودي. وخلال ثمانينيات القرن الماضي، توسعت المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية بصورة كبيرة، فيما رأى كثير من الفلسطينيين أراضيهم وأعمالهم ومبانيهم تُصادر.

ولم يتراجع التوسع الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، بل ازداد في ظل حكومة بنيامين نتنياهو، ولا سيما عقب هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2024. ومن المهم التنبيه إلى أن «حماس» لا تسيطر على الضفة الغربية.

وتدين الأمم المتحدة وجزء كبير من المجتمع الدولي هذه المستوطنات، وتعتبرها شكلًا من أشكال الاحتلال غير القانوني بموجب القانون الدولي. كما حذرت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، مؤخرًا من تصاعد حاد في العنف وانتشار ميليشيات المستوطنين في الضفة الغربية، منددة بما وصفته بنظام ذي طابع استعماري.

وقبل خطاب نتنياهو الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال الرئيس دونالد ترامب للصحفيين في البيت الأبيض: «لن أسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية… لن يحدث ذلك». لكن نتنياهو زار في 11 سبتمبر مستوطنة معاليه أدوميم ليعلن بناء مستوطنة «E1» الجديدة، وصرح علنًا بأنه «لن تكون هناك دولة فلسطينية»، مضيفًا أن «هذا المكان لنا». ومن شأن مستوطنة «E1» الجديدة أن تقسم الضفة الغربية فعليًا إلى جزأين: شمالي وجنوبي.

وبمجرد أن تصبح المستوطنة قائمة فعليًا، تحظى باعتراف ضمني وهادئ من الدولة الإسرائيلية. وكما يشير تحقيق «إنفستيغو»، فإن هذه التجمعات المقامة فوق التلال، وهي في بدايتها مجرد مجموعات من الأشخاص يعيشون على قمة تل ولم تتحول بعد إلى مستوطنة، تعتمد بدرجة خاصة على التمويل الأجنبي، مثل الدعم الذي تقدمه مؤسستا «إسرائيل هارتلاند» و«مسيحيون من أجل إسرائيل». وإذا توافر هذا التمويل، تتطور تلك التجمعات إلى مستوطنات قائمة بالفعل.

وقد تتبنى بعض هذه المؤسسات الإنجيلية خطابًا صداميًا وصريحًا، بينما قد تنطلق أخرى من دوافع أكثر مثالية. لكنها جميعًا تسهم، عن قصد أو من دونه، في توسيع المشروع الاستيطاني داخل الأراضي الفلسطينية، وفي ما يترتب عليه من آثار مزعزعة للاستقرار في المنطقة.

الصورة: بؤرة استيطانية جديدة على تلة جبل الجمجمة في الخليل. يقف طفلان فلسطينيان فوق سطح منزل ويراقبان الكرفانات المقامة على جبل الجمجمة في حلحول بالضفة الغربية، في 6 يوليو 2025. وكان مستوطنون قد أنشأوا مؤخرًا هذه البؤرة التي أطلقوا عليها اسم «معاليت حلحول»، وتشرف على طرق رئيسية وأراضٍ زراعية فلسطينية. ويأتي هذا التطور في إطار إعلان إسرائيل الأخير عن إقامة 22 مستوطنة جديدة في أنحاء الضفة الغربية، ما يعمّق المخاوف من مصادرة الأراضي وتصاعد التوتر في محافظة الخليل. الخليل، الضفة الغربية، الأراضي الفلسطينية. © IMAGO / Middle East Images

More News

Saudi Arabia - Iran, Beijing Agreement in Tehran السعودية وإيران: التنافس المُدار

Team of military experts in data center وكالات الاستخبارات تستفيد من القدرات…

1750 map of Palestine published by Homannsche Erben الاستيلاء على الأراضي في زمن الحرب…

Latest

US CLARITY Act - Judge hammer and BTC gold crypto coin قانون «كلاريتي» الأمريكي: نقطة تحوّل في…

AI face scan مستشفى ماساتشوستس العام يستخدم الذكاء…

Minature Blood Pump مضخة دم مصغّرة قد تنقذ حياة الأطفال…

Related Articles

Flock of Grey Perigord Geese الربح من الريش

Dog waiting for adoption إدارة ترامب توقف التجارب على الحيوانات…

Mobile phone with logo of fundraising organization ActBlue Charities Inc. داخل «أكت بلو»: الفضيحة التي تهزّ…

Innovation

A nuclear transmutation تقنية جديدة لإدارة النفايات النووية…

Putin: Artificial Intelligence Journey international conference تحالف «بريكس+» للذكاء الاصطناعي: نحو…

Semiconductor, EU Chips Act دور أوروبا المستقبلي في الصناعة…

Pioneers

Hypatia of Alexandria العالِمة والفيلسوفة هيباتيا…

Jane Austen جين أوستن – الذكرى السنوية الـ…

Bruno Kreisky and Yasser Arafat برونو كرايسكي: القيادة والدبلوماسية…

Language Articles

Meloni Not Kneeling to US Pressure: United we are Stronger

Введенные Трампом пошлины на китайскую продукцию оказывают влияние на полупроводниковую промышленность ЕС.

Silencio mundial sobre el papel oculto de los EAU en la guerra de Sudán

大卫战胜歌利亚:iGlobenews 荣获2026年卡尔·伦纳新闻奖亚军,ORF获得第一名

David gegen Goliath: iGlobenews Platz zwei beim Dr. Karl Renner Publizistikpreis 2026 – ORF (erneut) Platz eins

السعودية وإيران: التنافس المُدار

Ramener à la vie des algues anciennes pour prévoir l’avenir climatique de la mer Baltique

WordPress Cookie Notice by Real Cookie Banner