تخضع منصة «أكت بلو»، المهيمنة على جمع التبرعات الرقمية للحملات الديمقراطية، لتدقيق مكثف في ظل مزاعم تتعلق بعمليات احتيال، وتبرعات دورية غير مصرح بها، وصلات محتملة بشبكات مالية غير مشروعة. وبعدما حظيت المنصة بإشادة واسعة لدورها في تمكين الحركات السياسية الشعبية، تواجه اليوم تحقيقات فدرالية ورقابة من الكونغرس.
وتشير تقارير إلى احتمال وجود ثغرات في التحقق من هوية المتبرعين ومراقبة المعاملات، ما يثير مخاوف قد تكون لها تداعيات خطيرة على الأمن القومي ومستقبل جمع التبرعات السياسية عبر الإنترنت.
Silvia Caschera
2025/6/18
English version
في عصر الديمقراطية الرقمية، أصبح التداخل بين التكنولوجيا والتمويل السياسي قوةً مؤثرة ومصدرًا لمخاوف متزايدة في آن واحد. وفي صميم هذا الجدل تقف منصة «أكت بلو»، وهي منصة قوية غير ربحية لجمع التبرعات أحدثت تحولًا في الطريقة التي يتلقى بها المرشحون الديمقراطيون والقضايا التقدمية الدعم المالي. فمن خلال تسهيل التبرعات الصغيرة وإتاحتها للجميع، مكّنت المنصة ملايين الأمريكيين من المشاركة في العملية السياسية. غير أن هذا النجاح نفسه أصبح، في عام 2025، موضع خلاف، إذ تواجه المنصة تحقيقًا متوسعًا في الكونغرس، وادعاءات من مُبلّغين عن مخالفات، فضلًا عن تدقيق من مسؤولين معنيين بالأمن القومي.
ويقود التحقيق أساسًا أعضاء جمهوريون في الكونغرس، ويثير أسئلة جوهرية حول شفافية المتبرعين، والرقابة المالية، وتأثير البنية التحتية الرقمية في الديمقراطية الأمريكية.
تأسست «أكت بلو» عام 2004، وتعمل بوصفها لجنة عمل سياسي غير مرتبطة بجهة معينة، ومسجلة لدى لجنة الانتخابات الفيدرالية الأمريكية. وتتمثل وظيفتها الأساسية في العمل كوسيط مالي يعالج التبرعات المقدمة من الأفراد إلى مجموعة من الحملات واللجان الديمقراطية وجماعات المناصرة. وفي المقابل، تحتفظ المنصة برسوم معالجة بسيطة تبلغ حاليًا 3.95% لدعم عملياتها.
تكمن ابتكارية منصة «أكت بلو» في قدرتها على تيسير ملايين التبرعات الصغيرة، التي يقل كثير منها عن 50 دولارًا، بما يسمح حتى للمرشحين القادمين من القواعد الشعبية، ممن لا يتمتعون بشهرة واسعة، بجمع مبالغ كبيرة. وقد أصبح هذا النموذج ركيزة أساسية في استراتيجية جمع التبرعات لدى الديمقراطيين، ونُسب إليه الفضل في المساعدة على تقليص الفجوة أمام الحملات المدعومة من شركات كبرى أو مليارديرات. ومن اللافت أن كامالا هاريس جمعت تبرعات تفوق ما جمعه الرئيس ترامب بخمسة أضعاف، مع مساهمة معتبرة من كبار المتبرعين.
ورغم نجاحها الكبير في جمع التبرعات، أو ربما بسببه، خضعت «أكت بلو» لتدقيق متزايد خلال الأشهر الأخيرة. ففي أبريل 2025، نشرت لجنة الرقابة في مجلس النواب تقريرًا مفصلًا عرض مخاوف بشأن احتمال وجود أنشطة غير قانونية وثغرات منهجية في البنية التحتية للتبرعات لدى المنصة.
وتتركز إحدى أبرز مخاوف المشرعين حول التحقق من هوية المتبرعين. إذ يرى منتقدون أن الضمانات المعمول بها لدى «أكت بلو» قد لا تكون كافية للتأكد من أن المتبرعين هم فعلًا الأشخاص الذين يدّعون أنهم هم. وظهرت مزاعم تفيد بأن رعايا أجانب أو أطرافًا ثالثة غير مخوّلة قد يستخدمون هويات مختلقة لتمرير الأموال عبر المنصة، وهو أمر تحظره قوانين الانتخابات الفيدرالية الأمريكية حظرًا صارمًا. وإذا ثبتت هذه الثغرات، فقد تشكل انتهاكات جسيمة لقواعد تمويل الحملات الانتخابية المصممة لمنع التأثير الأجنبي في الانتخابات الأمريكية.
وتتعلق نقطة خلاف أخرى بتبرعات دورية يُزعم أنها جرت من دون موافقة واضحة من المتبرعين. فقد أفاد بعض الأفراد، ولا سيما من كبار السن، بأنهم أُدرجوا في نظام تبرعات شهرية تلقائية من دون أن يفهموا الرسوم أو يأذنوا بها بصورة كاملة. وبينما تؤكد «أكت بلو» أن واجهتها توضح بجلاء متى يكون التبرع متكررًا، استشهد مشرعون بشكاوى فردية تفيد بأن بعض المتبرعين لم يكونوا على علم بأنهم سجلوا لتقديم دفعات متكررة، ما يثير تساؤلات بشأن الشفافية وحماية المستهلك.
كما لفتت لجنة الرقابة في مجلس النواب إلى أنماط معاملات مثيرة للريبة. ففي حالات عديدة، سُجلت تبرعات صغيرة ومتكررة بأسماء أشخاص قالوا لاحقًا إنهم لم يقدموا أي تبرعات مطلقًا. وقد تشير هذه الأنماط إما إلى احتيال آلي، أو إلى أساليب أكثر تعقيدًا لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال، وهي ممارسة تُعرف باسم «غسل الأموال عبر بطاقات الائتمان». وإذا ثبتت هذه الادعاءات، فقد تقوض مصداقية منصات التبرع الرقمية وتلقي بظلال من الشك على نزاهة بيانات تمويل الحملات الانتخابية.
وربما تتعلق أخطر المزاعم بمخاوف تتصل بالأمن القومي. فبحسب تقارير نشرتها صحيفة «نيويورك بوست» ومصادر داخل وزارة العدل الأمريكية، قد تكون منصة «أكت بلو» قد سهّلت، دون قصد، تقديم تبرعات إلى منظمات يُشتبه في ارتباطها بتمويل الإرهاب. ورغم عدم إعلان أي أدلة قاطعة حتى الآن، يُقال إن محققين فدراليين يدرسون عدة معاملات مرتبطة بمنظمات غير ربحية صورية وأشخاص يستخدمون أسماء مستعارة، ما يثير احتمال استغلال شبكات غير مشروعة للثغرات في إجراءات التحقق التي تعتمدها المنصة.
وزاد الاضطراب مع سلسلة من الاستقالات الرفيعة التي هزّت قيادة «أكت بلو» خلال الأشهر الماضية. فقد عُزيت رسميًا مغادرة الرئيسة التنفيذية ريجينا والاس-جونز والمديرة المالية ميليندا سباركس، إلى جانب مسؤولين آخرين، إلى إعادة هيكلة إدارية. إلا أن مصادر من داخل المؤسسة رسمت صورة أكثر إثارة للقلق. ووفقًا لتحقيق نشرته صحيفة «تايمز أوف إنديا»، يدّعي مُبلّغون داخليون أن مسؤولين كبارًا كانوا على علم بمشكلات محتملة في الامتثال، لكنهم تجاهلوا التحذيرات. ونُقل عن أحد مسؤولي الامتثال وصفه نظام المراقبة المالية في «أكت بلو» بأنه «مهيأ للاستغلال»، مؤكدًا أن محاولات فرض ضوابط أكثر صرامة عُرقلت من قبل إدارة كانت، بحسب قوله، أكثر اهتمامًا بحجم التبرعات من الرقابة عليها.
وقد عمّقت موجة رحيل التنفيذيين الشكوك في وجود مشكلات مؤسسية أعمق داخل «أكت بلو»، ودفعت مشرعين إلى المطالبة بإجراء تدقيق جنائي كامل في سجلات المنصة. وتنفي «أكت بلو» ارتكاب أي مخالفات، مؤكدة أن منصتها مزودة بآليات لرصد المعاملات المشبوهة، وأن التحقيق الجاري تحركه دوافع سياسية. وفي بيان حديث، اتهم ممثلو المنصة منتقديها بمحاولة «قمع المشاركة الشعبية في السياسة».
واستغل الرئيس دونالد ترامب هذه القضية، واصفًا «أكت بلو» بأنها «آلة ديمقراطية لغسل الأموال»، ومعتبرًا أن الاحتيال على المنصة يرقى إلى شكل من أشكال التدخل في الانتخابات. وفي مذكرة صادرة في أبريل 2025، اتهم ترامب وسائل الإعلام بالتقليل من شأن الفضيحة، ودعا السلطات الفدرالية إلى التدخل بقوة. ورغم أن بعض ادعاءاته لا تزال غير مثبتة، فإن خطابه زاد من الضغط الشعبي والسياسي على المحققين، ورسّخ الطابع الحزبي للقضية.
ويأتي هذا التحقيق في خضم نقاش وطني أوسع حول إصلاح تمويل الحملات الانتخابية. كما تخضع منصة «وين رِد»، النظير الجمهوري لمنصة «أكت بلو»، لمراجعة من لجنة الانتخابات الفدرالية بسبب مخاوف مماثلة تتعلق بالشفافية والتبرعات المتكررة.
وقد تعيد نتائج التحقيقين تشكيل نظام تمويل الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة. وتشمل الإصلاحات المحتملة تشديد التحقق من هوية المتبرعين، وتعزيز الشفافية في ما يتعلق بالتبرعات الدورية، واستحداث تدابير جديدة لحماية المستهلكين من الاحتيال والخداع.
ومع استمرار التحقيق، يجد مؤيدو «أكت بلو» ومنتقدوها أنفسهم أمام تحدٍ أوسع يتمثل في تحقيق التوازن بين الابتكار في التكنولوجيا السياسية والحاجة المستمرة إلى صون ثقة الجمهور وضمان نزاهة العملية الانتخابية. وستكشف الأشهر المقبلة ما إذا كانت المنصة ستُبرّأ من هذه الاتهامات أو ستخضع لإعادة هيكلة، وما إذا كانت قواعد جديدة ستعيد تشكيل البنية الرقمية لجمع التبرعات السياسية في الولايات المتحدة لسنوات مقبلة.
الصورة: هاتف محمول تظهر على شاشته علامة منظمة جمع التبرعات «أكت بلو تشاريتيز» (ActBlue Charities Inc.)، أمام موقعها الإلكتروني. شتوتغارت، ألمانيا، 20 أغسطس 2023. التركيز على الجزء الأوسط الأيسر من شاشة الهاتف. © IMAGO / Zoonar






