لطالما أثارت المعدلات المنخفضة للإصابة بالسرطان لدى الفيلة وغيرها من الفقاريات الضخمة حيرة علماء الأحياء. فمن المنطقي أن يؤدي امتلاكها عددًا هائلًا من الخلايا، بحكم حجمها الكبير، إلى زيادة احتمالات الإصابة بالسرطان. لكن الواقع يبدو مختلفًا؛ إذ إن كثيرًا من الحيوانات، الكبيرة منها والصغيرة، تصاب بالمرض بمعدلات أقل بكثير مما كان متوقعًا. والأهم أن الآليات الطبيعية التي تحميها من السرطان قد تفتح آفاقًا جديدة تفيد البشر أيضًا.
Reed McIntire
2025/6/24
English version | French version | Russian version
في عام 1977، لاحظ عالم الأحياء والإحصاء السير ريتشارد بيتو ظاهرة لافتة في الطبيعة: إذ بدا أن معدلات الإصابة بالسرطان لا ترتبط بعدد الخلايا في جسم الكائن الحي. وأُطلق لاحقًا على هذه الفكرة اسم «مفارقة بيتو»، وظلت موضع نقاش في علم الأحياء منذ ذلك الحين. لكن مع ظهور دراسات جديدة تشكك في هذه النتائج، ماذا يمكن أن تخبرنا به المملكة الحيوانية عن السرطان؟ وكيف يمكن الاستفادة من ذلك في فهم المرض لدى البشر؟
وفي دراسة نُشرت في فبراير 2025 في مجلة «PNAS» العلمية، قارن باحثون بقيادة باتلر معدلات الأورام الخبيثة بين الفئات الأربع الرئيسية للفقاريات: البرمائيات والطيور والثدييات والزواحف الحرشفية، مثل الثعابين والسحالي. وخلافًا للاعتقاد الشائع، لم تؤيد نتائجهم فكرة أن السرطان لا يرتبط بحجم الجسم أو بعدد الخلايا. بل تبيّن أن الفيلة والحيوانات كبيرة الحجم تُصاب بالسرطان بمعدلات أعلى من الحيوانات الأصغر. ومع ذلك، بقيت هذه المعدلات أقل بكثير مما كان متوقعًا بالنظر إلى حجم أجسامها وعدد خلاياها.
فعلى الرغم من قابلية الفيلة للإصابة بالسرطان، فإن معدل الأورام الخبيثة لديها يشبه المعدل المسجل لدى حيوانات لا يتجاوز حجمها عُشر حجمها، مثل الوعل. ويُرجّح أن أحد أسباب ذلك يرتبط بالجينات التي تتحكم في نمو هذه الحيوانات. فالحيوانات التي تحتاج إلى النمو سريعًا إلى أحجام كبيرة داخل الرحم، مثل الفيلة، قد تمتلك جينات أو آليات وراثية تعمل على كبح الجينات المسؤولة عن النمو، للحد من احتمال استغلالها من قبل الخلايا السرطانية. ولذلك، فرغم أن الفيلة ليست محصنة ضد السرطان، فإن معدلات إصابتها به تظل محدودة جزئيًا بفضل هذا المستوى المرتفع من التحكم في عمليات النمو.
وفي دراسة أخرى قارنت معدلات الإصابة بالسرطان بين أنواع مختلفة من الحيوانات، وأجريت على مدى عشر سنوات بقيادة باحثين من جامعة ولاية أريزونا، توصّل العلماء إلى نتائج مماثلة.
https://aacrjournals.org/cancerdiscovery/article/15/1/227/750844/Cancer-Prevalence-across-VertebratesCancer-across
غير أن ما لفت الانتباه بشكل خاص كان ما كشفته الدراسة عن معدلات السرطان لدى الحيوانات الأصغر. فقد بلغت احتمالات الإصابة بالسرطان لدى حيوانات مثل ابن عرس نحو 62%، بينما لم تتجاوز لدى حيوانات أكبر بكثير، مثل الدلافين، نسبة 2%.
ومرة أخرى، يعود التفسير المطروح لهذه النتيجة المفاجئة إلى الجينات التي تنظم نمو الحيوانات. فالحيوانات التي تنمو إلى أحجام كبيرة تمتلك أيضًا آليات جينية تحد من هذا النمو، في حين تفتقر الحيوانات الأصغر إلى بعض هذه التطورات التطورية، ما يجعل الجينات المسؤولة عن النمو أكثر عرضة للاستغلال من قبل الخلايا السرطانية. ونتيجة لذلك، قد تعاني الحيوانات الأصغر، رغم امتلاكها عددًا أقل بكثير من الخلايا، معدلات إصابة بالسرطان أعلى بصورة ملحوظة من نظيراتها الأكبر حجمًا.
كما حُددت لدى الحيوانات الكبيرة جينات أخرى تساعد في السيطرة على السرطان. ففي الفيلة، تُعرف هذه الجينات باسم جينات TP53، ويجري بحث إمكان الاستفادة منها في تطوير علاجات للبشر. وتعمل جينات TP53 بوصفها مثبطات للأورام، إذ تحد من نمو الأورام الخبيثة وفرص تطورها في أجسام الفيلة. وإذا أمكن توظيفها علاجيًا، فقد تساعد أيضًا في علاج الأورام السرطانية لدى البشر والحد من نموها، بما يوفر أداة إضافية في مكافحة السرطان.
وإلى جانب جينات TP53، سلطت دراسة أريزونا الضوء على استراتيجيات دفاعية أخرى تستخدمها الحيوانات لمقاومة السرطان. فقد تبين أن الأنواع التي تشهد طفرات عشوائية أقل في خلايا أجسامها تميل إلى تسجيل معدلات أدنى للإصابة بالسرطان. وقد يحمل ذلك دلالات مهمة لعلاج السرطان لدى البشر، إذ يشير إلى أن تقليل الطفرات عبر آليات قوية لحماية الحمض النووي وإصلاحه يعد عاملًا أساسيًا في الوقاية من المرض.
ومن المثير للاهتمام أن الدراسة وجدت أيضًا أن الحيوانات ذات فترات الحمل الأطول تسجل معدلات إصابة أقل بالسرطان. ويرى العلماء أن طول فترة الحمل قد يكون مهمًا في تعزيز قدرة الخلايا على تنظيم نفسها طوال حياة الحيوان.
واختبر الباحثون أيضًا كيفية استجابة أنواع مختلفة من الحيوانات لآليات كبح السرطان، مثل العلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي. غير أن هذه الاختبارات لم تسفر عن نتائج حاسمة، ما يشير إلى أن عوامل أخرى، مثل الجهاز المناعي للحيوانات وعمليات الأيض لديها، قد تؤدي دورًا أكثر مركزية في مقاومتها للسرطان.
وبحسب الجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان، يُحتمل أن يُصاب نحو 40% من الأمريكيين بالسرطان في مرحلة ما من حياتهم. إلا أن الجمعية تحذر من أن المعدل الفعلي قد يكون أعلى، لأن كثيرًا من حالات الوفاة لا تستدعي إجراء تشريح للجثة. لذلك، تظل الاستراتيجيات والتقنيات الجديدة القادرة على خفض خطر الإصابة بالأورام الخبيثة لدى البشر من أبرز الأولويات الطبية.
وقال زاك كومبتون، الباحث في مركز أريزونا لتطور السرطان بجامعة أريزونا: «نحن متحمسون للاستفادة من استراتيجيات الطبيعة في مكافحة السرطان من أجل الوقاية منه لدى البشر».
ورغم أن الاكتشافات الجينية، مثل جينات TP53، قد تحمل إمكانات واعدة للعلاج البشري، فإن الباحثين لا يزالون في بداية الطريق في هذا المجال. فالاختلافات الكبيرة بين الأنواع والحلول الخاصة التي طورتها كل منها تكشف أن هناك الكثير مما ينبغي تعلمه. وفي نهاية المطاف، قد تفضي هذه الأبحاث إلى علاجات وتدخلات تنقذ الأرواح مستقبلًا، لكن الطريق لا يزال طويلًا قبل الوصول إلى اختراقات علاجية كبرى.
الصورة: لقطة مقرّبة لفيلة تقف عند بحيرة. © Freepik.com






