يُعد الذكاء الاصطناعي العصبي-الرمزي من الموضوعات البارزة في أبحاث الذكاء الاصطناعي، إذ يسعى إلى الحد من الهلوسة وأوجه عدم الدقة الأخرى عبر الجمع بين التعلم الآلي وأساليب دقيقة قائمة على المنطق والقواعد والحقائق. ومن المجالات التي يمكن تطبيق هذا النوع من الذكاء الاصطناعي فيها إدارة الحركة الجوية. وبعد سلسلة حوادث الطائرات المروعة في الولايات المتحدة، أعلن الرئيس دونالد ج. ترامب هدفه المتمثل في تجديد نظام مراقبة الحركة الجوية الأمريكي بالكامل. فهل سيكون للذكاء الاصطناعي العصبي-الرمزي دور في هذا النظام الجديد؟
Alexander Gebhard Beiser
2025/4/16
English version | Chinese version | French version
مع استمرار الذكاء الاصطناعي في تصدّر العناوين بأخبار اختراقاته المتلاحقة، بما في ذلك نيله جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2024 تقديرًا لاكتشافات تأسيسية في مجال التعلم الآلي باستخدام الشبكات العصبية الاصطناعية، إلى جانب دوره المحوري في جائزة نوبل للكيمياء، بلغ الزخم المحيط به مستويات غير مسبوقة. ويعود جانب كبير من هذا الزخم إلى التقنيات التي تقوم عليها مفاهيم مثل التعلم الآلي، والشبكات العصبية، والتعلم العميق، والبيانات الضخمة، ونماذج اللغة الكبيرة. ورغم أن هذه الأساليب تحقق نتائج ممتازة في مهام مثل التعرّف على الصور أو الكلام، فإن عيبها الرئيسي يتمثل في أنها ليست دقيقة على نحو كامل. وبالنسبة إلى نماذج اللغة الكبيرة مثل ChatGPT، يرتبط ذلك بمشكلة «هلوسة» النماذج اللغوية، حين تقدّم معلومات غير صحيحة على أنها حقائق. وتؤدي هذه الإشكالات إلى تراجع الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، كما تزيد من تعقيد استخدامها في الأنظمة والقطاعات الحساسة للسلامة، مثل إدارة الحركة الجوية.
ويمثل الذكاء الاصطناعي الرمزي والذكاء الاصطناعي تحت الرمزي فرعين رئيسيين في البحث الأكاديمي في مجال الذكاء الاصطناعي. ومن أفضل الطرق لفهمهما ربطهما بكتاب دانيال كانيمان «التفكير، بسرعة وببطء» (2011).
ويصف «التفكير السريع»، أو التفكير من النوع الأول، الطريقة التي يتخذ بها البشر قراراتهم في المهام اليومية. تخيّل شخصًا في طريقه إلى العمل ينزل درجات محطة مترو، بينما يقترب قطار ويجد نفسه أمام قرار: هل يركض للحاق به أم ينتظر القطار التالي؟ ينبغي اتخاذ هذا القرار في لحظة، لأن القطار لن ينتظر. وهذا النوع من التفكير سريع وحدسي، لكنه قد يفضي أحيانًا إلى قرارات غير مثلى.
أما التفكير البطيء، أو التفكير من النوع الثاني، فيتسم بالتأني والتدبر. ويُستخدم لاتخاذ القرارات من خلال موازنة البدائل بعضها ببعض. فمثلًا، قد يخطط سائح لقضاء عطلة في النمسا، ويأخذ في الاعتبار خيارات متعددة بحسب الوقت من السنة والتجربة التي يبحث عنها: مناظر تيرول الخلابة، أو التزلج على المنحدرات الألبية، أو استكشاف المعالم الثقافية في فيينا. ثم يضع خطة عبر إعداد قائمة بالوجهات المحتملة ومقارنة مزايا كل منها وعيوبه.
ويتسم هذا النوع من التفكير بالبطء والتأني والدقة. ولكن ما علاقة ذلك بالذكاء الاصطناعي؟ تبدو أوجه التشابه واضحة بين التفكير من النوع الأول والذكاء الاصطناعي تحت الرمزي، وبين التفكير من النوع الثاني والذكاء الاصطناعي الرمزي؛ فالذكاء الاصطناعي تحت الرمزي يتخذ قرارات تقريبية استنادًا إلى سلوك تعلّمه مسبقًا، بينما يعتمد الذكاء الاصطناعي الرمزي على الاستدلال المنطقي وأساليب يمكن التحقق من صحتها بصورة قاطعة.
ويستخدم الذكاء الاصطناعي تحت الرمزي البيانات لتدريب الشبكات العصبية أو غيرها من تقنيات التعلم الإحصائي. ولنفترض المثال الآتي: تضم مجموعة بيانات MNIST سبعين ألف صورة لأرقام مكتوبة بخط اليد، تتراوح بين 0 و9. وعند تقديم إحدى هذه الصور، تتمثل مهمة نظام ذكاء اصطناعي تحت رمزي، مثل الشبكة العصبية، في التنبؤ بقيمة الرقم بشكل صحيح. وتتعلم الشبكة العصبية، عبر التجربة والخطأ المتكررين، كيفية تصنيف هذه الصور على نحو سليم.
أما الأساليب الرمزية فتعتمد على الاستدلال وخوارزميات يمكن إثبات صحتها. ويقوم هذا الاستدلال على قواعد وقيود محددة بدقة. ولنتأمل مهمة مراقب الحركة الجوية، الذي يتعين عليه ضمان الفصل الآمن بين الطائرات، مع إعداد جدول تشغيل فعّال في الوقت ذاته. ويمكن لأساليب الذكاء الاصطناعي الرمزي أن تساعد في تصميم هذا الجدول. ومن الأمثلة على ذلك «برمجة مجموعات الإجابة» (ASP)، وهي طريقة رمزية في الذكاء الاصطناعي قائمة على البرمجة المنطقية. وتستطيع هذه الطريقة إنشاء جدول تلقائيًا استنادًا إلى مجموعة من القواعد تحدد عدد الطائرات، وبنية المجال الجوي، والقيود الواجب مراعاتها.
ومع ذلك، لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تحت الرمزي والذكاء الاصطناعي الرمزي، كلٌّ على حدة، تحقيق جميع الأهداف المنشودة من الذكاء الاصطناعي. ففي مثال الأرقام المكتوبة بخط اليد، يمكن للذكاء الاصطناعي تحت الرمزي التعرّف على الأرقام المفردة بدرجة مقبولة من الدقة، لكنه لن يتمكن من استخدامها لإجراء عمليات حسابية موثوقة. وعلى الجانب الآخر، يواجه النهج الرمزي صعوبة في التعامل مع حالات عدم اليقين، مثل تأثير الأحوال الجوية أو مستوى تأهيل العنصر البشري في سلامة الطيران.
يهدف الذكاء الاصطناعي العصبي-الرمزي إلى تحقيق تكامل بين الذكاء الاصطناعي تحت الرمزي والذكاء الاصطناعي الرمزي. والأمل هو أن يتيح هذا النهج للأنظمة تحت الرمزية القدرة على الاستدلال، وفي الوقت نفسه يمكّن الأنظمة الرمزية من التعامل مع حالات عدم اليقين؛ أي أن يجعل آلية اتخاذ القرار فيها أقرب إلى طريقة تفكير الإنسان.
ويمتلك الذكاء الاصطناعي العصبي-الرمزي إمكانات كبيرة. وقد نشرت مجلة «فوربس» مؤخرًا قائمة تضم 20 تطبيقًا عمليًا لهذا النوع من الذكاء الاصطناعي، تتراوح بين التحليل الآلي للوثائق القانونية وتحسين سلامة الطائرات. ويتماشى تعزيز سلامة الطيران أيضًا مع خارطة الطريق 2.0 للذكاء الاصطناعي الصادرة عن وكالة الاتحاد الأوروبي لسلامة الطيران (EASA)، حيث يشكّل الذكاء الاصطناعي العصبي-الرمزي جزءًا أساسيًا من خطتها لإدماج الذكاء الاصطناعي في قطاع الطيران.
وعلى الصعيد الأكاديمي في النمسا، يقف كل من مركز الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي (CAIML، https://caiml.org/، تم الدخول إليه في 29 مارس 2025) ومجموعة التميز الثنائية للذكاء الاصطناعي (BilAI، https://www.bilateral-ai.net/home، تم الدخول إليها في 29 مارس 2025) في طليعة الأبحاث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي العصبي-الرمزي.
الصورة: صورة ظلية لطائرة أمام غروب الشمس. مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي.






