هل يمكن لصورة الوجه أن تمنح الأطباء مؤشرًا إلى العمر البيولوجي الظاهر للجسم، وإلى آفاق الصحة على المدى البعيد؟ يعتقد فريق من الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي في مركز «ماس جنرال بريغهام» الطبي في بوسطن بالولايات المتحدة أن ذلك ممكن. فوجهك قد لا يعكس هويتك فحسب، بل قد يساعد أيضًا في تقدير مدى جودة حياتك وطولها.

أحدث نظام جديد للذكاء الاصطناعي يحمل اسم «فيس إيج» (FaceAge) صدى واسعًا في مجال البحوث الطبية. فقد طُوّر باستخدام تقنيات متقدمة للتعلّم العميق، ويستطيع تقدير العمر البيولوجي للشخص بمجرد تحليل صورة شخصية لوجهه. ويرى الباحثون في مركز «ماس جنرال بريغهام» الطبي في بوسطن، حيث جرى تطوير النظام، أن هذه التقنية قد تساعد في رصد مخاطر صحية مهمة، والتنبؤ بمتوسط العمر المتوقع، ودعم تشخيص الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن وتوجيه قرارات علاجها، بما في ذلك بعض أنواع السرطان.

وثمة فرق دقيق بين العمر الزمني، الذي يُحسب بعدد السنوات منذ الولادة، والعمر البيولوجي. فالعمر البيولوجي يعكس مدى كفاءة أداء جسم الإنسان، ويتأثر بالعوامل الوراثية ونمط الحياة والبيئة والأمراض. فقد يكون شخص في الخمسين من عمره، يمارس الرياضة بانتظام ويتبع نظامًا غذائيًا صحيًا ولا يعاني أمراضًا مزمنة، أقرب بيولوجيًا إلى شخص أصغر منه بعشر سنوات.

وعلى النقيض، قد يبدو شخص آخر في الخمسين من عمره، يعاني السمنة والسكري ومستويات مرتفعة من التوتر، أقرب بيولوجيًا إلى سن الستين. وقد يكون فهم هذه الفروق حاسمًا عند وضع استراتيجيات رعاية صحية شخصية، بما في ذلك اتخاذ قرارات بشأن علاجات مكثفة مثل العلاج الإشعاعي.

وأشار بيان صادر عن باحثي «ماس جنرال بريغهام» إلى أن «مرضى السرطان، في المتوسط، كانت تقديرات “فيس إيج” لديهم أعلى من غير المصابين بالسرطان، وكانوا يبدون أكبر بنحو خمس سنوات من أعمارهم الزمنية. كما ارتبطت تقديرات العمر الأعلى عبر “فيس إيج” بنتائج بقاء أسوأ لدى أنواع متعددة من السرطان. ووجد الباحثون أيضًا أن النظام تفوق على الأطباء في التنبؤ بمتوسط العمر المتوقع على المدى القصير لدى المرضى الذين يتلقون علاجًا إشعاعيًا تلطيفيًا».

وقال هوغو أيرتس، مدير برنامج الطب والذكاء الاصطناعي في «ماس جنرال بريغهام»: «يمكننا استخدام الذكاء الاصطناعي لتقدير العمر البيولوجي للشخص من صور الوجه، وتُظهر دراستنا أن هذه المعلومات قد تكون ذات دلالة سريرية. ويبرهن هذا العمل أن صورة بسيطة، مثل صورة سيلفي، تحتوي على معلومات مهمة يمكن أن تساعد في توجيه القرارات السريرية وخطط الرعاية للمرضى والأطباء. فالفارق بين العمر الذي يبدو عليه الشخص وعمره الزمني مهم بالفعل؛ إذ إن الأشخاص الذين يكون “عمر الوجه” لديهم أصغر من عمرهم الزمني يحققون نتائج أفضل بكثير بعد علاج السرطان».

كيف يعمل «فيس إيج»؟

طوّر الباحثون الخوارزمية واختبروها بالاعتماد على أكثر من 50 ألف صورة لأشخاص يُفترض أنهم يتمتعون بصحة جيدة، وأكثر من 6 آلاف صورة لمرضى بالسرطان. وباستخدام هذه البيانات، لاحظ باحثو «ماس جنرال بريغهام» أن «النتائج أظهرت أن مرضى السرطان يبدون أكبر سنًا بدرجة ملحوظة مقارنة بغير المصابين بالسرطان، وأن متوسط تقدير “عمر الوجه” لديهم كان أكبر بنحو خمس سنوات من عمرهم الزمني. وضمن مجموعة مرضى السرطان، ارتبط ارتفاع تقدير “عمر الوجه” بنتائج بقاء أسوأ، ولا سيما لدى الأشخاص الذين بدا عمرهم أكبر من 85 عامًا، حتى بعد الأخذ في الاعتبار العمر الزمني والجنس ونوع السرطان».

ومن خلال هذا التدريب، تعلّم نظام «فيس إيج» رصد أنماط دقيقة في ملامح الوجه ترتبط بعمليات الشيخوخة البيولوجية، مثل ملمس البشرة، والتجاعيد، وتوزيع الدهون، وحتى التعبيرات الدقيقة للوجه.

وما يميز «فيس إيج» عن أنظمة تقدير العمر السابقة هو قيمته السريرية. فمعظم خوارزميات تقدير العمر من الوجه تهدف فقط إلى تحديد عمر الشخص، وغالبًا ما تُستخدم في تطبيقات الترفيه أو المحتوى الرقمي. أما «فيس إيج» فلا يحاول تخمين العمر الذي تبدو عليه للآخرين، بل يقدّر العمر الفعلي للجسم على المستوى الخلوي والوظيفي، وما قد يعنيه ذلك للصحة.

وأظهرت الدراسات المنشورة والمحكّمة أن «فيس إيج» يستطيع تقدير العمر البيولوجي بدقة عالية، والتنبؤ بنتائج سريرية، بما في ذلك خطر الوفاة، بصورة أدق من الاعتماد على العمر الزمني وحده. وقد يشكل ذلك تحولًا مهمًا في مجالات مثل علاج الأورام، وطب الشيخوخة، والصحة العامة.

وبحسب «ماس جنرال بريغهام»، ارتبطت تقديرات العمر البيولوجي التي يقدمها النظام ارتباطًا قويًا بنتائج المرضى. فالمرضى الذين كان عمرهم البيولوجي أعلى من عمرهم الزمني سجلوا في كثير من الحالات معدلات بقاء أقل بشكل ملحوظ، حتى عندما بدت المؤشرات الصحية الأخرى طبيعية.

وتشير هذه النتائج إلى أن «فيس إيج» قد يلتقط إشارات صحية خفية لا تظهر للعين المجردة أو لأدوات التشخيص التقليدية. فعلى سبيل المثال، قد تعكس ملامح الوجه الآثار التراكمية للالتهابات، وشيخوخة الخلايا، والإجهاد التأكسدي؛ وهي عوامل ترتبط بقوة بالتقدم في العمر، لكنها قد تكون صعبة الرصد في الممارسة الطبية العامة.

ويأمل الباحثون أن يوفّر دمج «فيس إيج» في سير العمل الطبي رؤى جديدة تساعد في رعاية المرضى وتوجيه علاجهم. فقد يستخدمه أطباء الأورام لتحديد شدة العلاج بصورة أكثر تخصيصًا، وقد يستعين به أطباء الشيخوخة لمتابعة مسار التقدم في العمر بمرور الوقت، فيما قد يساعد أطباء الرعاية الأولية على كشف المرضى الذين يبدون أصحاء، رغم أن شيخوختهم البيولوجية تتقدم بوتيرة أسرع من المتوقع.

الاعتبارات الأخلاقية والعملية

كما هو الحال مع أي نظام للذكاء الاصطناعي يتداخل مع الرعاية الصحية، يثير «فيس إيج» تساؤلات أخلاقية مهمة. فهل من العادل أو الحكيم أن تُبنى قرارات طبية على أمر يبدو بسيطًا ظاهريًا، مثل صورة للوجه؟ وماذا عن الخصوصية والموافقة، ولا سيما في وقت أصبحت فيه تقنيات التعرّف إلى الوجوه قضية حساسة ومثيرة للجدل اجتماعيًا؟

وقد حاول مطورو «فيس إيج» استباق هذه المخاوف. فالنظام غير مصمم لأغراض المراقبة أو التعرف إلى الهوية، ويعمد إلى إخفاء هوية البيانات وتشفيرها بما يتوافق مع معايير الخصوصية الطبية الصارمة، مثل متطلبات قانون قابلية نقل ومساءلة التأمين الصحي الأمريكي (HIPAA). كما أن الغرض منه هو دعم التقدير الطبي البشري، لا استبداله.

علم الشيخوخة

يندرج «فيس إيج» ضمن توجه أوسع نحو ما يُعرف بـ«الشيخوخة الدقيقة»، أي استخدام المؤشرات الحيوية والتعلم الآلي والبيانات الضخمة لفهم عملية التقدم في السن والتدخل فيها. وما يجذب مطوريه إليه هو أنه غير جراحي، ومنخفض التكلفة، وقابل للتوسع بسهولة؛ إذ لا يحتاج سوى إلى صورة للوجه ليعمل. وهذا يجعله واعدًا خصوصًا في البيئات محدودة الموارد، وتطبيقات الصحة عبر الهاتف المحمول، وخدمات المتابعة عن بُعد، حيث قد تكون أدوات التشخيص التقليدية غير عملية أو مرتفعة التكلفة.

وفي مجال صحة المستهلك، قد يستخدم الناس مستقبلًا تطبيقات تعتمد خوارزميات مشابهة لـ«فيس إيج» لمتابعة مدى فعالية التغييرات في نمط حياتهم، على غرار ما تفعله أجهزة تتبع اللياقة البدنية اليوم. وبالفعل، تستكشف بعض الشركات الناشئة طرقًا لتقديم «درجات لعمر الوجه» للمستخدمين المهتمين بروتينات مقاومة الشيخوخة أو بعلم إطالة العمر.

ويتزايد كذلك الاهتمام بالعمر البيولوجي بوصفه مؤشرًا على «مدة الحياة الصحية»، أي وسيلة لتقدير المدة التي يمكن أن يعيشها الشخص بصحة جيدة واستقلالية. فالعمر الزمني وحده لا يوضح ما إذا كان شخص في السبعين يتمتع بالحيوية أم يعاني تراجعًا في قدراته، بينما قد يقدم «فيس إيج» بعض الإجابات في هذا الشأن.

وقد يمتد استخدام هذه التقنية إلى مجالات مرتبطة بها، من بينها قطاع العافية والتأمين وسياسات الصحة العامة. كما قد يلجأ أصحاب العمل أو شركات التأمين إلى تقييمات العمر البيولوجي لتشجيع السلوكيات الصحية.

الصورة: التعرّف إلى الوجوه – تجميعة بصرية للهوية الشخصية. © Freepik

More News

Team of military experts in data center وكالات الاستخبارات تستفيد من القدرات…

Putin: Artificial Intelligence Journey international conference تحالف «بريكس+» للذكاء الاصطناعي: نحو…

tower against sunset الذكاء الاصطناعي العصبي-الرمزي: حلّ…

Latest

Saudi Arabia - Iran, Beijing Agreement in Tehran السعودية وإيران: التنافس المُدار

US CLARITY Act - Judge hammer and BTC gold crypto coin قانون «كلاريتي» الأمريكي: نقطة تحوّل في…

New Outpost on Jabal al-Jumuja Hilltop in Hebron Two Palestinian children stand on a rooftop إنجيليون أوروبيون يمولون الاستيلاء…

Related Articles

Minature Blood Pump مضخة دم مصغّرة قد تنقذ حياة الأطفال…

Flock of Grey Perigord Geese الربح من الريش

Dog waiting for adoption إدارة ترامب توقف التجارب على الحيوانات…

Innovation

Euclid space telescope الطاقة المظلمة والمادة المظلمة: محاولة…

IAEA Atoms4Food مبادرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية…

Map Egypt ″قناة السويس الرقمية″ في مصر

Pioneers

Hypatia of Alexandria العالِمة والفيلسوفة هيباتيا…

Bruno Kreisky and Yasser Arafat برونو كرايسكي: القيادة والدبلوماسية…

Jane Austen جين أوستن – الذكرى السنوية الـ…

Language Articles

Meloni Not Kneeling to US Pressure: United we are Stronger

Введенные Трампом пошлины на китайскую продукцию оказывают влияние на полупроводниковую промышленность ЕС.

Silencio mundial sobre el papel oculto de los EAU en la guerra de Sudán

大卫战胜歌利亚:iGlobenews 荣获2026年卡尔·伦纳新闻奖亚军,ORF获得第一名

David gegen Goliath: iGlobenews Platz zwei beim Dr. Karl Renner Publizistikpreis 2026 – ORF (erneut) Platz eins

السعودية وإيران: التنافس المُدار

Ramener à la vie des algues anciennes pour prévoir l’avenir climatique de la mer Baltique

WordPress Cookie Notice by Real Cookie Banner