كيف تتحول مفاهيم تبدو مجردة، مثل القانون الدولي والتنافس بين القوى الكبرى، إلى واقع ملموس؟ تُشكّل سمكة التونة المتواضعة اليوم محور لعبة دبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة ودول جزر المحيط الهادئ.

يُطلق مصطلح «دبلوماسية التونة» على الجهود الدبلوماسية والقانونية والتجارية التي تبذلها قوى كبرى، مثل الصين والولايات المتحدة، للوصول إلى المياه الغنية بالتونة التابعة لدول جزر المحيط الهادئ. وتشمل هذه الدول فيجي، وبابوا غينيا الجديدة، وجزر سليمان، وفانواتو، وولايات ميكرونيزيا المتحدة، وكيريباتي، وجزر مارشال، وناورو، وبالاو، وساموا، وتونغا، وتوفالو، وجزر كوك، ونيوي. وتضم مياهها بعضًا من أغنى مخزونات التونة في العالم، إلى جانب أنواع أخرى من المأكولات البحرية الأساسية عالميًا، ما يجعلها هدفًا بالغ القيمة.

وتؤدي الرغبة في تأمين مصادر الغذاء والمصالح التجارية المرتبطة بها إلى تعاون القوى الكبرى مع دول جزر المحيط الهادئ، مثل فيجي وكيريباتي، وإلى تنافسها معها في الوقت نفسه. فهذه الدول الصغيرة والمعزولة، التي تحمل إرثًا استعماريًا، لا تملك سوى القليل لتساوم به سوى منح حق الوصول إلى التونة الموجودة في المياه الخاضعة لسيادتها، أي منطقتها الاقتصادية الخالصة. وقد نشأ مفهوم المنطقة الاقتصادية الخالصة عام 1982 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تمنح كل دولة حقوقًا حصرية لاستغلال الموارد الطبيعية ضمن نطاق يمتد إلى 200 ميل بحري.

ومنذ أن أصبحت هذه الجزر دولًا مستقلة، سعت القوى العالمية القادرة على إرسال أساطيل الصيد إلى المنطقة إلى إغراء دول المحيط الهادئ أو الضغط عليها لمنحها حق صيد التونة في مياهها. كما أن امتلاك أسطول صيد وطني حق الوصول إلى مورد غذائي مطلوب ومربح يمنح الدولة المعنية وجودًا ماديًا عبر مساحة بحرية شاسعة، يمكن أن يتحول بسهولة إلى نقطة انطلاق لترسيخ نفوذ أقوى وأكثر ديمومة في المحيط الهادئ.

تتوقف فاعلية المعاهدات الدولية على مدى قبول أطرافها الالتزام بالقيود التي تفرضها. ولم تصدّق الولايات المتحدة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبدأت، منذ ثمانينيات القرن الماضي، بالصيد داخل المناطق الاقتصادية الخالصة لدول جزر المحيط الهادئ من دون إذن. وردًا على ذلك، شرعت هذه الدول في احتجاز السفن الأمريكية داخل مناطقها الاقتصادية الخالصة، لترد الولايات المتحدة بدورها بفرض حظر تجاري. وخلال هذه المواجهات، التي عُرفت لاحقًا باسم «حروب التونة»، توجهت بعض دول الجزر، مثل كيريباتي، إلى الاتحاد السوفيتي للتفاوض بشأن اتفاقيات تتيح له الوصول إلى مناطق الصيد.

وأثار ذلك قلق الولايات المتحدة من أن يؤدي وجود أساطيل صيد تابعة لقوى منافسة إلى تمهيد الطريق لإنشاء قواعد عسكرية من شأنها تحدي نفوذها في المحيط الهادئ. ومن رحم هذا الصراع ظهرت معاهدة التونة في جنوب المحيط الهادئ (SPTT). وقد وُقعت عام 1987، ثم مُددت في عام 2024، وتمنح السفن الأمريكية حق الصيد في المناطق الاقتصادية الخالصة لدول جزر المحيط الهادئ مقابل رسوم تراخيص ومساعدات تنموية. وتشكل المعاهدة ركيزة من ركائز السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة يتزايد فيها الحضور الصيني، إذ تهدف إلى الحفاظ على اصطفاف الدول الموقعة عليها إلى جانب واشنطن.

ولا يزال كثير من الغربيين ينظرون إلى جنوب المحيط الهادئ باعتباره «بحيرة أمريكية»، وهو وصف صاغه السياسي والدبلوماسي الأمريكي وايتلو ريد في القرن التاسع عشر. وجاء هذا التصور في أعقاب ضم الولايات المتحدة لهاواي عام 1898، واستعمارها الفلبين بين عامي 1898 و1946. وتعززت الفكرة بعد الحرب العالمية الثانية، حين زادت الولايات المتحدة بشكل كبير من قدراتها العسكرية في المحيط الهادئ عقب حربها مع اليابان. غير أن مفهوم «البحيرة الأمريكية» يتجاهل النفوذ الصيني المتنامي، وكذلك الحضور التاريخي للصين في دول جزر المحيط الهادئ.

منذ القرن التاسع عشر، استقر مهاجرون صينيون في دول جزر المحيط الهادئ، وتحول بعضهم مع مرور الوقت إلى نخبة مالية استفادت من صلاتها بالصين القارية لتزويد شركات الصيد القائمة في الجزر بمديرين وموظفين صينيين. وقد أسهم هذا النفوذ التاريخي، إلى جانب برامج المساعدات والتنمية الأحدث ضمن مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، وهي استراتيجية واسعة لتعزيز حضور بكين في العالم النامي في مواجهة القوى الغربية، في تكوين وجود صيني مؤثر في المحيط الهادئ قد تستخدمه بكين كورقة ضغط مستقبلًا.

وتجسدت هذه الإمكانية في فبراير 2025، حين وقعت الصين في الوقت نفسه معاهدة شاملة مع جزر كوك، وأجرت مناورات بحرية بالذخيرة الحية من دون إعلان مسبق في بحر تسمان. وقد أُجريت هذه التدريبات قرب المناطق الاقتصادية الخالصة لأستراليا ونيوزيلندا وجزر كوك، وأدت إلى تغيير مسارات نحو 50 رحلة تجارية.

ولم يقبل الرئيس ترامب باستمرار هذا الوضع، فأُعلنت في أبريل 2025 «سياسة الصيد الأمريكية أولًا» (AFFP)، بهدف دعم قطاع الصيد التجاري الأمريكي ومعالجة العجز في تجارة المأكولات البحرية. غير أن السياسة أثارت انتقادات من جماعات بيئية، مثل منظمة «إيرث جاستس»، لأنها تضمنت فتح النصب البحري الوطني لتراث جزر المحيط الهادئ أمام الصيد التجاري. ويضم هذا الموقع المحمي نحو 490 ألف ميل مربع من المحيط والموائل الجزرية، وقد وضعه الرئيس جورج بوش تحت الحماية عام 2009، ثم وسّع الرئيس باراك أوباما نطاقه داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للولايات المتحدة.

وترى سياسة «أمريكا أولًا» أن حظر الصيد في مناطق محددة لا يحقق جدوى كبيرة، لأن التونة من الأنواع كثيرة الهجرة والتنقل. ويأتي هذا التوجه الرافض للحظر في وقت تسعى فيه وزارة كفاءة الحكومة التابعة لإدارة ترامب، المعروفة باسم «دوج» (DOGE)، إلى تقليص عدد اللوائح التنظيمية والموظفين الفدراليين، بمن فيهم العاملون في مراقبة نشاط الصيد.

لكن هذه السياسة تتعارض مع دراسة بحثية نُشرت عام 2022 في مجلة «ساينس»، قادها علماء من جامعة هاواي. وخلصت الدراسة إلى أن حظر الصيد أدى إلى زيادة أعداد التونة، بما انعكس إيجابًا على معدلات صيد الأساطيل التجارية في المناطق القريبة الواقعة خارج حدود النصب البحري. ويشير ذلك إلى أن الإدارة السليمة قد تجعل اللوائح الواردة في معاهدة التونة لجنوب المحيط الهادئ وغيرها من القواعد الأمريكية الخاصة بالصيد أداة لحماية البيئة والمخزونات السمكية، بما يدعم الازدهار المستقبلي والأمن البيئي معًا.

ومع استمرار الصين والولايات المتحدة في التنافس على الأسماك والنفوذ، تجد القوى الإقليمية الأصغر والعالم الطبيعي نفسه مضطرين إلى شق طريقهم بحذر وسط المياه المضطربة في جنوب المحيط الهادئ.

الصورة: وزير التجارة هوارد لوتنيك يتحدث بينما يلتقي الرئيس دونالد ترامب صيادين وصيادات من ساموا الأمريكية، قبيل توقيعه أمرًا تنفيذيًا يوسّع حقوق الصيد في جزر المحيط الهادئ، في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، 17 أبريل 2025. © IMAGO / Chris Kleponis

More News

A Palestinian man inspects the historical site of Barquq Castle destroyed in the Gaza conflict - Israel التدمير المتعمد للهوية الفلسطينية من…

″احذر يا مشتري!″ بوكينج.كوم تستفيد من…

H.E. Ambassador Salah Abdel Shafi مقابلة حصرية ل iGlobenews مع سعادة…

Latest

Saudi Arabia - Iran, Beijing Agreement in Tehran السعودية وإيران: التنافس المُدار

US CLARITY Act - Judge hammer and BTC gold crypto coin قانون «كلاريتي» الأمريكي: نقطة تحوّل في…

Team of military experts in data center وكالات الاستخبارات تستفيد من القدرات…

Related Articles

Flock of Grey Perigord Geese الربح من الريش

Dog waiting for adoption إدارة ترامب توقف التجارب على الحيوانات…

Mobile phone with logo of fundraising organization ActBlue Charities Inc. داخل «أكت بلو»: الفضيحة التي تهزّ…

Innovation

IAEA Atoms4Food مبادرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية…

Solar Farms مزارع الطاقة الشمسية الفضائية: لا يوجد…

ChatGPT هل سيجعلك ChatGPT قليل المهارة؟

Pioneers

Golden Statue of Johann Strauss II يوهان شتراوس الثاني: الذكرى المئوية…

Hypatia of Alexandria العالِمة والفيلسوفة هيباتيا…

Bruno Kreisky and Yasser Arafat برونو كرايسكي: القيادة والدبلوماسية…

Language Articles

“Pay to Play”: Trump’s Crypto Empire

Введенные Трампом пошлины на китайскую продукцию оказывают влияние на полупроводниковую промышленность ЕС.

Silencio mundial sobre el papel oculto de los EAU en la guerra de Sudán

大卫战胜歌利亚:iGlobenews 荣获2026年卡尔·伦纳新闻奖亚军,ORF获得第一名

„Pay to Play“: Das Krypto-Imperium von Trump

السعودية وإيران: التنافس المُدار

Ramener à la vie des algues anciennes pour prévoir l’avenir climatique de la mer Baltique

WordPress Cookie Notice by Real Cookie Banner