لم تعرف العلاقات بين السعودية وإيران استقرارًا طويلًا في معظم مراحلها. فإلى جانب القرب الجغرافي وتشابك المصالح في المنطقة، توجد خلافات عميقة تتعلق بالانتماء المذهبي وطبيعة النظامين وتحالفاتهما الإقليمية، ما يجعل أي خلاف بينهما قابلًا لأن يتحول سريعًا إلى مواجهة سياسية أوسع. وفي عام 2023، أعاد الاتفاق الذي رعته الصين العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران بعد سنوات من القطيعة، وفتح الباب أمام تهدئة ملموسة. لكن يبقى السؤال: هل تمهد هذه الخطوة لتعاون حقيقي بين البلدين، أم أنها لا تتجاوز إدارة أكثر هدوءًا لخلافاتهما القديمة؟
Aly Mahmoud and Benedict Burtscher
2026/2/4
English version | German version | Spanish version
تعود جذور الصراع بين السعودية وإيران إلى عقود طويلة. فحتى قبل الثورة الإيرانية عام 1979، كانت العلاقات بين البلدين تشهد توترًا متكررًا بسبب قضايا مرتبطة بالدين وإدارة شؤون الحج، وهي مسائل كان يمكن أن تتحول من خلافات رمزية إلى أزمات بين دولتين. لكن بعد عام 1979، اتخذ التنافس شكله الحديث؛ إذ بدا المشروع الثوري الإيراني، في مقابل الدور السعودي بوصفه ملكية سنية تستند إلى نظام أمني خليجي مدعوم من الولايات المتحدة، نموذجين متنافسين للشرعية والقيادة الإقليمية.
ولم يكن النفط بدوره ساحة محايدة. فقد انضمت الدولتان إلى منظمة «أوبك» عند تأسيسها في بغداد عام 1960، إلا أن الخلافات حول الأسعار والإنتاج كثيرًا ما غذّت التنافس بينهما. أما أحدث قطيعة دبلوماسية فجاءت قبل نحو عشر سنوات، ففي 3 يناير 2016 قطعت السعودية علاقاتها مع إيران عقب الهجمات على مقراتها الدبلوماسية في طهران ومشهد، التي جاءت بعد إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر. وتعمقت القطيعة في وقت كانت فيه القوتان تتواجهان بصورة غير مباشرة في أكثر من ساحة إقليمية، من بينها اليمن.
وجاء التحول في 10 مارس 2023، حين اتفق الطرفان في بكين، بوساطة صينية، على استئناف العلاقات الدبلوماسية. وأعيد فتح السفارات والبعثات الدبلوماسية لاحقًا في العام نفسه، لتعود قنوات الاتصال الرسمية التي كانت مقطوعة منذ عام 2016. واستمر التواصل بعد ذلك؛ ففي 9 ديسمبر 2025، اجتمعت السعودية وإيران والصين في طهران خلال الدورة الثالثة للجنة المشتركة الثلاثية، لمراجعة تنفيذ اتفاق بكين والتأكيد مجددًا على الالتزام بالسيادة وحسن الجوار والقانون الدولي.
ولا يقتصر الدور الصيني على الوساطة الدبلوماسية. فالصين هي اليوم أكبر شريك تجاري للسعودية، وتُظهر بيانات الأمم المتحدة للتجارة لعام 2024 أن صادراتها إلى المملكة بلغت نحو 50 مليار دولار. لكن تنامي الارتباط الاقتصادي بين الرياض وبكين لم يحل محل ركائزها الأمنية. فالولايات المتحدة لا تزال الشريك الأمني الأهم للسعودية، وقد أعلنت واشنطن في مايو 2025 ما وصفته باتفاق مبيعات دفاعية للمملكة تبلغ قيمته نحو 142 مليار دولار.
ويفسر ذلك جانبًا من مقاربة السعودية تجاه إيران: خفض التوتر حيثما أمكن، والحفاظ على الردع حيثما تقتضي الضرورة، وتجنب خطوات قد تفرض عليها الاختيار بين القوى الكبرى على نحو حاسم.
ويمتد هذا المنطق نفسه إلى المنصات الدولية، ومنها مجموعة «بريكس»، التي تقدم صورة واضحة عن اختلاف موقع السعودية وإيران على الساحة العالمية. ففي أغسطس 2023، وجهت المجموعة دعوة إلى البلدين للانضمام إليها. وتحركت إيران بسرعة، ويُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها انضمت مع توسع المجموعة في يناير 2024، مستفيدة من «بريكس» في توسيع هامشها الاقتصادي والدبلوماسي تحت الضغط الغربي، وتعميق علاقاتها مع الصين وروسيا. أما السعودية، فقد أبقت موقفها مفتوحًا عن عمد. فقد أكد مسؤولون سعوديون أن المملكة لم تنضم رسميًا إلى المجموعة بعد، وأنها لا تزال تدرس هذه الخطوة، رغم إدراج موقع «بريكس» السعودية ضمن أعضائه.
لكن القضايا الأكثر صعوبة لم تختفِ، ويظل اليمن الاختبار الأوضح. فبالنسبة إلى الرياض، لا يمثل اليمن مجرد ملف إقليمي، بل تهديدًا أمنيًا مباشرًا جعل المدن السعودية والمطارات ومنشآت الطاقة في مرمى الصواريخ والطائرات المسيّرة. ولذلك، تُقاس أي وعود بـ«خفض التصعيد» هناك بنتائج ملموسة. أما طهران، فقد وفر لها اليمن منذ فترة طويلة نفوذًا عبر حلفائها على الأرض، ووسيلة للضغط على السعودية من دون مواجهة مباشرة، إلا أن هذا النفوذ له كلفته أيضًا. وليس من قبيل المصادفة أن يعود اليمن إلى الواجهة في المحادثات اللاحقة لاتفاق بكين، ومنها اجتماع اللجنة الثلاثية السعودية–الصينية–الإيرانية في طهران في 9 ديسمبر 2025، الذي جدد الدعوة إلى حل سياسي تقوده الأمم المتحدة.
كما لعبت الحرب في غزة دورًا مهمًا، إذ عززت المشاعر الشعبية في العالم العربي، وقلصت مؤقتًا المسافة بين الرياض وطهران مع تأكيدهما القضية الفلسطينية وإدانتهما أفعال إسرائيل. لكن الأزمة لم تبقَ محصورة في غزة. ففي يونيو 2025، شنت إسرائيل ضربات على إيران. وأدان مجلس التعاون الخليجي علنًا الهجمات على الأراضي الإيرانية، داعيًا في الوقت نفسه إلى ضبط النفس واللجوء إلى الدبلوماسية، وهو موقف لاحظته إيران ورحبت به بوصفه ذا دلالة سياسية. وبعد أيام، ضربت الولايات المتحدة مباشرة ثلاثة من أبرز المواقع النووية الإيرانية، وفقًا لتقارير رويترز والوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تصعيد حاد أظهر قدرة واشنطن واستعدادها للتحرك.
وبدا أن هذه الضربات دفعت إيران نحو مقاربة أكثر براغماتية مع دول الخليج. ففي ظل تصاعد الضغوط، أصبحت طهران ترى في تحسين العلاقات مع جيرانها الخليجيين، ولا سيما السعودية، ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار. وفي يوليو 2025، تسلم وزير الخارجية السعودي رسالة خطية من نظيره الإيراني عباس عراقجي، نقلها السفير الإيراني في الرياض إلى نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي، وركزت على تعزيز العلاقات الثنائية. وفي الوقت نفسه، استمرت حرب غزة في تضييق المجال السياسي أمام أي مسار لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.
وفي مطلع يناير 2026، انتقل الضغط على طهران من الضربات الخارجية إلى مسألة الاستقرار الداخلي. فقد بدأت احتجاجات في أواخر ديسمبر 2025 على خلفية التضخم وانهيار العملة، قبل أن تتسع لتصبح أكبر موجة اضطرابات تشهدها البلاد منذ سنوات. وتحدثت تقارير عن اعتقالات واسعة وسقوط قتلى مع تحرك قوات الأمن لاحتواء التظاهرات. وسارعت واشنطن وإسرائيل إلى تأطير هذه الاحتجاجات وتضخيمها وتسييسها.
وفي واشنطن، جاء الموقف الأمريكي مباشرًا على نحو غير معتاد. ففي 13 يناير 2026، دعا الرئيس دونالد ترامب الإيرانيين إلى «مواصلة الاحتجاج»، وكتب: «المساعدة في الطريق». وبعد ذلك بأيام، في 15 يناير، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على مسؤولين إيرانيين كبار على صلة بحملة القمع.
أما بالنسبة إلى السعودية، فالحفاظ على الحياد ليس أمرًا سهلًا، لأن مخاطر امتداد التصعيد تمس أراضيها وأسواقها مباشرة. وبحسب تقارير، ضغطت الرياض، إلى جانب قطر وسلطنة عُمان ومصر، على واشنطن لتجنب توجيه ضربة عسكرية، محذرة من أن التصعيد قد يزعزع استقرار المنطقة ويؤثر في الأوضاع الأمنية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، نبهت طهران إلى أن أي هجوم انتقامي على منشآت أمريكية في الخليج سيضر بعلاقات إيران الإقليمية.
كما أوضحت السعودية أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي منصةً لأي هجوم على إيران. وكان الهدف من هذه الرسالة خفض مستوى التهديد الإيراني المباشر، وحماية البنية التحتية السعودية من أن تتحول إلى هدف محتمل.
فهل تحسنت العلاقات بالفعل؟ مقارنة بسنوات القطيعة، نعم. فقنوات الاتصال الدبلوماسي مفتوحة، والتعامل مع الأزمات أصبح أسهل، كما أثبت اتفاق بكين قدرته على الصمود أمام صدمات إقليمية متكررة. لكن التحسن لا يعني المصالحة. فالاضطرابات التي شهدتها إيران بين يناير وفبراير 2026 رفعت مستوى المخاطر، عبر تشديد موقف طهران ودفع واشنطن وإسرائيل إلى أدوار أكثر نشاطًا، وربما أكثر مباشرة، في المنطقة.
والقراءة الأكثر واقعية لعام 2026 لا تتحدث عن شراكة جديدة بين السعودية وإيران، بل عن محاولة منضبطة لإدارة التنافس، وتقليل احتمالات سوء الحساب أو الانزلاق إلى صراع، مع إبقاء الخيارات مفتوحة في منطقة لا تكون فيها الأزمة التالية بعيدة أبدًا.
الصورة: وزير الخارجية الإيراني يستقبل رؤساء وفود اللجنة الثلاثية لمتابعة اتفاق بكين في طهران. مبعوثون من السعودية والصين يشاركون مسؤولين إيرانيين بحث سبل تعزيز التعاون في إطار الاتفاق. طهران، إيران، 10 ديسمبر 2025. © IMAGO / APAimages






