هل تستطيع ولاية ميزوري، في واقع الأمر، محاسبة قوة عظمى مثل الصين؟ قد يبدو فوز الولاية القضائي على الصين، والذي بلغت قيمته 24 مليار دولار على خلفية تعاملها مع جائحة كوفيد-19، حدثًا تاريخيًا. غير أن الصورة، عند التعمق فيها، تبدو أكثر تعقيدًا، إذ تحيط بها ثغرات قانونية وتشابكات دبلوماسية قد تحدّ من أثر هذا الحكم.

في دعوى قضائية مفاجئة ومشحونة سياسيًا، حصلت ولاية ميزوري في مارس 2025 على حكم غيابي ضد الصين بشأن تعاملها مع جائحة كوفيد-19 في الأيام الأولى لانتشارها. ونجح المدعي العام لولاية ميزوري، أندرو بيلي، في انتزاع حكم يقضي بإلزام الحكومة الصينية بدفع نحو 24 مليار دولار، بعدما حكم القاضي الفيدرالي ستيفن ليمبو الابن لصالح الولاية المعروفة بلقب «ولاية أرِني». غير أنه، رغم ثقة بيلي في إمكان تحصيل التعويضات التي تطالب بها ميزوري، فإن الطريق إلى تنفيذ هذا الحكم يظل محفوفًا بعقبات قانونية وسياسية ودبلوماسية معقدة.

فما التداعيات الفعلية لهذا الانتصار القضائي لميزوري؟ وهل يتجاوز كونه مكسبًا رمزيًا وأخلاقيًا؟ وهل يمكن أن يشكل سابقة مهمة في مجال القانون الدولي؟

تسلسل زمني موجز للأحداث

في أبريل 2020، رفع المدعي العام السابق لولاية ميزوري، إريك شميت، دعوى مدنية ضد الصين على خلفية تعاملها مع جائحة كوفيد-19. وفي يوليو 2022، رُفضت جميع المطالبات استنادًا إلى قانون حصانات السيادة الأجنبية الأمريكي، الذي يحمي الدول الأجنبية عمومًا من مقاضاتها أمام المحاكم الأمريكية، ما لم ينطبق استثناء محدد.

وفي يناير 2024، قضت محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الثامنة بأن الادعاء المتعلق بقيام الصين بتخزين معدات الحماية الشخصية، مثل الكمامات وأجهزة التنفس الصناعي، يندرج ضمن استثناء «النشاط التجاري» الوارد في قانون حصانات السيادة الأجنبية.

وتتهم الدعوى تسع جهات وهيئات حكومية صينية، من بينها الحزب الشيوعي الصيني ومعهد ووهان لعلم الفيروسات والأكاديمية الصينية للعلوم، بتخزين معدات الحماية الشخصية والاستيلاء على مصانع كانت تنتج الكمامات لصالح شركات أمريكية مخصصة للسوق الأمريكية. ودفعت ميزوري بأن أفعال المدعى عليهم كانت مناهضة للمنافسة وألحقت ضررًا مباشرًا بمقدمي الرعاية الصحية في الولاية، الذين لم يتمكنوا من علاج المرضى بكفاءة، وكذلك بعامة السكان الذين اضطروا إلى دفع أسعار أعلى بكثير مقابل الكمامات.

وفي 27 يناير 2025، عُقدت جلسة محاكمة عرضت خلالها ميزوري قضيتها، فيما لم تمثل الصين أمام المحكمة. وفي 7 مارس 2025، أصدر القاضي ليمبو حكمه لصالح الولاية، مانحًا إياها تعويضات تجاوزت 24 مليار دولار.

هل تستطيع ميزوري تحصيل التعويضات فعليًا؟

صبّ غياب الصين عن جلسات المحكمة، بعد أن وصفت الدعوى برمتها بأنها عبثية ولا تستحق النظر، في مصلحة ولاية ميزوري بلا شك. غير أن تجاوز القيود العديدة التي يفرضها قانون حصانات السيادة الأجنبية ليس أمرًا سهلًا. فقد أُقر هذا القانون عام 1976 بهدف وضع إطار قانوني موحّد ينظم العلاقة بين الدول الأجنبية والمتقاضين الأمريكيين، بما يسهّل التجارة الدولية والعلاقات الدبلوماسية. وقبل صدوره، كانت وزارة الخارجية الأمريكية هي التي تقرر ما إذا كانت الدول الأجنبية تتمتع بالحصانة أم لا. ثم نُقلت هذه الصلاحية إلى السلطة القضائية بهدف إبعاد هذا النوع من القرارات عن الاعتبارات السياسية وضمان الفصل فيها وفق مبادئ قانونية، لا ضغوط دبلوماسية.

وكما هو الحال في معظم مسائل العلاقات الدولية، يقوم قانون حصانات السيادة الأجنبية على مبدأ المعاملة بالمثل؛ فالحكومات الأجنبية تتمتع بالحصانة أمام المحاكم الأمريكية ما لم ينطبق استثناء محدد، وفي المقابل تمتنع الدول الأخرى عن مقاضاة الحكومة الأمريكية. وفي السابق، ارتبطت معظم القضايا التي نجحت فيها الولايات المتحدة في مقاضاة حكومات أجنبية استنادًا إلى أحد استثناءات القانون بقضايا الإرهاب.

ورغم أن القاضي ليمبو منح ميزوري حكمًا غيابيًا واعتبر أن الحصانة لا تنطبق على الحكومة الصينية بموجب استثناء «النشاط التجاري» في القانون، وهو استثناء يعمل في جوهره بصورة قريبة من قواعد مكافحة الاحتكار، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان أي من المدعى عليهم التسعة، وجميعهم جهات وهيئات تابعة للحكومة الصينية، يملكون أصولًا داخل الولايات المتحدة يمكن الحجز عليها لتنفيذ الحكم.

ويوضح الباحث القانوني الأمريكي البارز ويليام دودج أن الحصانة من التنفيذ أوسع نطاقًا بكثير من الحصانة من رفع الدعوى. كما أن الأصول الموجودة في الولايات المتحدة والمملوكة للصين أو لوزاراتها أو وحداتها التابعة أو للحزب الشيوعي الصيني، تتمتع بالحصانة من التنفيذ ما لم تكن هذه الأصول نفسها قد استُخدمت في تخزين معدات الحماية الشخصية، وهو احتمال يبدو بعيدًا. أما الأصول التابعة لهيئات صينية مثل الأكاديمية الصينية للعلوم، فقد تكون قابلة للحجز حتى لو لم تُستخدم هي ذاتها في تخزين تلك المعدات. ومع ذلك، وحتى إذا كان بعض المدعى عليهم التسعة أكثر عرضة لتنفيذ الحكم من غيرهم، فقد تلجأ الصين إلى دفوع وإجراءات قانونية أخرى لإبطال الحكم، مثل الدفع بعدم صحة تبليغ الدعوى.

باختصار، ورغم تأكيد بيلي أن الولاية ستصادر أصولًا مملوكة للصين في أي مكان داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك الأراضي الزراعية، إذا رفضت الصين دفع التعويضات، فإنه لا يزال بعيدًا جدًا عن تحقيق هذا الهدف. فأحكام قانون حصانات السيادة الأجنبية تمنع ميزوري من الحجز على الممتلكات لمجرد أنها مملوكة للصين.

هل توجد مسارات أخرى؟

في ضوء ما سبق، يبدو أن حكم القاضي ليمبو يحمل طابعًا رمزيًا إلى حد كبير، ويضاف إلى سلسلة من الوقائع التي عمّقت التوتر القائم أصلًا في العلاقات السياسية بين البلدين. ففي عام 2020، حاول عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين تعديل قانون حصانات السيادة الأجنبية للسماح باتخاذ إجراءات قانونية ضد الحكومة الصينية على خلفية جائحة كوفيد-19، إلا أن أيًا من تلك المشاريع لم يتحول إلى قانون نافذ. ومع الاضطرابات التي تشهدها السلطة القضائية في ظل الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، يظل السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا الوضع قد يتغير. غير أن إدارة ترامب لم تُبدِ، حتى الآن، أي نية لتعديل القانون بما يسهّل الحجز على الأصول المملوكة للحكومة الصينية داخل الولايات المتحدة.

وقد يكون اللجوء إلى محكمة العدل الدولية خيارًا آخر، عبر رفع دولة دعوى ضد الحكومة الصينية. ويوضح خبراء قانونيون من نقابة المحامين الدولية أن على الدولة المعنية إثبات انتهاك الصين لاتفاق دولي يمنح محكمة العدل الدولية اختصاص التدخل. وقد يكون خرق حكم وارد في معاهدة دولية مثالًا على ذلك. ففي 23 مايو 2005، انضمت الصين إلى اللوائح الصحية الدولية التابعة لمنظمة الصحة العالمية. ومن ثم، قد تستند دولة ما إلى أحكام هذه اللوائح للادعاء بأن الصين انتهكت التزاماتها بسبب تأخرها وغياب الشفافية في تعاملها مع الفيروس خلال المراحل الأولى من الجائحة. ومع ذلك، فإن تنفيذ أي قرار يصدر في هذا السياق سيظل مهمة شديدة التعقيد.

وقد أُقر قانون حصانات السيادة الأجنبية في الولايات المتحدة تحديدًا لتجنب مثل هذه المعضلات الدبلوماسية، والأهم من ذلك لحماية الحكومة الأمريكية من التعرض لإجراءات انتقامية في الخارج. وربما ينبغي لميزوري أن تنظر في ما إذا كان المضي قدمًا في هذه القضية ضد الصين يمثل خطوة استراتيجية سليمة في المشهد الجيوسياسي المعقد اليوم.

الصورة: 12 ديسمبر 2016: معهد ووهان لعلم الفيروسات، وهو مؤسسة بحثية تابعة للأكاديمية الصينية للعلوم، يقع في منطقة جيانغشيا جنوب مدينة ووهان في مقاطعة هوبي بالصين. © Commons wikimedia.org, Ureem2805

More News

Contaminated water sign, San Diego, Ca, USA ازمة تدفق مياه الصرف الخام من المكسيك…

Illegal vapes are displayed during a press conference لا علاج لـ«رئة الفشار»: تحذير للمدخنين…

Cougar in a cage القتل من أجل الربح: مكتب الأمم المتحدة…

Latest

coltan mine in Rubaya صفقة المعادن الأرضية النادرة بين…

Hypatia of Alexandria العالِمة والفيلسوفة هيباتيا…

Putin: Artificial Intelligence Journey international conference تحالف «بريكس+» للذكاء الاصطناعي: نحو…

Related Articles

A dish of worms الاتحاد الأوروبي يوافق على استخدام دودة…

Cute reading robot السويد لا تزال بحاجة إلى الكتب

Bottlenose dolphin الفنتانيل في خليج أمريكا يقتل الدلافين…

Innovation

Solar Farms مزارع الطاقة الشمسية الفضائية: لا يوجد…

tower against sunset الذكاء الاصطناعي العصبي-الرمزي: حلّ…

ChatGPT هل سيجعلك ChatGPT قليل المهارة؟

Pioneers

Jane Austen جين أوستن – الذكرى السنوية الـ…

Golden Statue of Johann Strauss II يوهان شتراوس الثاني: الذكرى المئوية…

Bruno Kreisky and Yasser Arafat برونو كرايسكي: القيادة والدبلوماسية…

Language Articles

Meloni Not Kneeling to US Pressure: United we are Stronger

Введенные Трампом пошлины на китайскую продукцию оказывают влияние на полупроводниковую промышленность ЕС.

Silencio mundial sobre el papel oculto de los EAU en la guerra de Sudán

泽连斯基的副手因能源腐败丑闻被迫辞职

David gegen Goliath: iGlobenews Platz zwei beim Dr. Karl Renner Publizistikpreis 2026 – ORF (erneut) Platz eins

ميزوري في مواجهة الصين: معركة قضائية أم مواجهة عبثية؟

Quand la justice ne regarde que vers le Sud : le problème de crédibilité de la CPI

WordPress Cookie Notice by Real Cookie Banner