تدفقت مليارات اللترات من مياه الصرف الصحي الخام من نهر تيخوانا في المكسيك إلى الولايات المتحدة، ملوِّثةً ساحل كاليفورنيا ومهددةً الصحة العامة على مدى عقود. واليوم، ومع بلوغ الأزمة نقطة حرجة، تتحرك الحكومة الأمريكية مجددًا. ومن خلال تغييرات في القيادة، وزيادة التمويل، وإطلاق مشروعات كبرى للبنية التحتية، يأمل المسؤولون في قلب مسار هذه الطوارئ البيئية العابرة للحدود أخيرًا.

يتسبب نهر تيخوانا، الواقع على الحدود مع الولايات المتحدة، في تلوث المناطق الساحلية المحيطة بمدينة سان دييغو بكميات كبيرة من المياه الملوثة، نتيجة قصور إدارة مياه الصرف الصحي في المكسيك. وفي 16 أبريل 2025، صنّفت منظمة «أمريكان ريفرز» الأمريكية، التي تعمل منذ أكثر من خمسين عامًا على حماية الأنهار، نهر تيخوانا ثاني أكثر الأنهار تعرضًا للخطر في الولايات المتحدة.

وتعود أزمة الصرف الصحي هذه إلى ثلاثينيات القرن الماضي على الأقل، لكنها بلغت في السنوات الأخيرة مستويات غير مسبوقة، ما دفعها إلى جذب اهتمام أعلى مستويات الإدارة الأمريكية الجديدة. ورغم اتخاذ ولاية كاليفورنيا بعض التدابير للحد من المشكلة، فإنها ظلت غير كافية ولم تنجح في وضع حد لها.

وتُعد مدينة تيخوانا من أكثر المدن المكسيكية سكانًا وأسرعها نموًا. وتعالج مياه الصرف فيها عبر عدد من محطات المعالجة، إلا أن النمو السكاني والتوسع العمراني والمخلفات الصناعية أدت مجتمعة إلى إنتاج كميات من مياه الصرف تفوق قدرة هذه المحطات على الاستيعاب والمعالجة. ووفقًا لرئيسة بلدية إمبريال بيتش، بالوما أغويري، تدفق منذ عام 2023 أكثر من 117 مليار لتر من المياه العادمة غير المعالجة إلى مصب نهر تيخوانا، ومنها إلى المحيط الهادئ. كما أن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية القائمة تدهور بفعل الإهمال ونقص الصيانة أو تعرض لأضرار نتيجة الأحمال المفرطة لمياه الصرف.

وتتعدد آثار هذه الكارثة. فالمياه تحتوي على مسببات أمراض وفيروسات وبكتيريا، إضافة إلى أكثر من 175 مادة كيميائية سامة، بحسب تقرير بعنوان «تلوث نهر تيخوانا الناتج عن الجريان الحضري ومياه الصرف: أزمة صحة عامة على الحدود»، الصادر عن كلية الصحة العامة في جامعة ولاية سان دييغو. ويشير التقرير، المنشور في 13 فبراير 2024، إلى أن هذه المخاطر الصحية لا تقتصر على المياه وحدها، بل توجد أيضًا في الهواء والتربة المحيطين بالنهر.

أما تأثير مياه الصرف على الحياة البرية والتنوع البيولوجي فيبعث على قلق بالغ. إذ تتضرر الحيوانات، ولا سيما الأسماك والطيور واللافقاريات الصغيرة، بصورة كبيرة جراء هذا التلوث. ووفقًا للتقرير السنوي للأراضي الرطبة الصادر عن جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا لعام 2023، انخفض عدد الأسماك في المتر المربع من قرابة 20 سمكة عام 2017 إلى أقل من خمس أسماك عام 2023.

أُغلقت شواطئ في سان دييغو، مثل إمبريال بيتش وسيلفر ستراند وكورونادو بيتش، لفترات طويلة من العام بسبب المخاوف الصحية. ورغم أن هذه الإغلاقات تحدث منذ عقود، فإن عدد أيام الإغلاق ارتفع بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة. فبحسب أحدث بيانات إدارة الصحة البيئية والجودة في مقاطعة سان دييغو، أُغلقت هذه الشواطئ لأقل من 80 يومًا عام 2019، بينما تراوحت مدة إغلاقها في عام 2023 بين 160 و275 يومًا.

وأفاد أشخاص قضوا وقتًا في المياه أو بالقرب منها بإصابتهم بمشكلات صحية. ولا تقتصر المخاوف على مرتادي الشواطئ، بل تمتد إلى السكان القاطنين في المناطق المجاورة، فيما يواجه الفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن والأطفال، مخاطر أكبر.

كما سجلت وحدات القوات الخاصة البحرية الأمريكية، المعروفة باسم «نافي سيلز»، والتي تجري جانبًا كبيرًا من تدريباتها في هذه المياه، 1168 حالة من أمراض الجهاز الهضمي بين المشاركين ومنظمي التدريبات خلال الفترة من 2019 إلى 2023.

وألقت الأزمة بظلالها كذلك على الاقتصاد المحلي، إذ تستقطب شواطئ سان دييغو عادة أعدادًا كبيرة من السياح. وقد تضررت مناطق شهيرة، مثل إمبريال بيتش، من الإغلاقات المتكررة، إذ انخفض عدد زوارها من 2.1 مليون عام 2018 إلى أقل من 700 ألف عام 2023.

ويُعد مصب نهر تيخوانا واحدًا من عدد محدود من مصبات الأنهار المدّية المتبقية في أميركا الشمالية والمحمية بموجب اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة التابعة للأمم المتحدة. وقد أُبرمت هذه الاتفاقية عام 1971، وتعقد اجتماعاتها كل ثلاث سنوات لتنسيق التعاون الدولي بشأن حفظ الأراضي الرطبة والاستخدام الرشيد لها. كما تنشر قائمة بالأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية بهدف ضمان إدارتها بصورة فعالة.

تتفاقم أزمة مياه الصرف بفعل الأمطار الغزيرة وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة، التي تؤدي إلى تراكم الرواسب وانسداد أنابيب الصرف وتعطّل محطات المعالجة. وقد أصبح التعامل مع هذه المشكلة أشبه بمهمة سيزيفية؛ إذ إن ما يُعرف بـ«مجمعات الأودية»، وهي منشآت نقل صُممت لتحويل مياه الصرف والتدفقات المائية الأخرى إلى محطات المعالجة، تعرضت للانسداد بسبب مشروعات البناء حتى في غياب الأمطار الغزيرة. وأدى هذا الدوران المستمر بين إزالة الانسدادات، وإصلاح الأضرار، وإنشاء بنية تحتية جديدة، إلى إضعاف كفاءة منظومة إدارة مياه الصرف بأكملها.

وساعدت منظمات بيئية محلية وجماعات مناصرة ومجتمعات متضررة في لفت الانتباه إلى هذه الأزمة المستمرة. ورغم اختلاف أساليبها، فإن القاسم المشترك بينها جميعًا يتمثل في السعي إلى تأمين التمويل. ومع أن الطابع العابر للحدود لهذه القضية يعقّد التنسيق والتنفيذ، فإن الولايات المتحدة والمكسيك تتفقان على أهمية التوصل إلى حل.

وفي عام 2022، أعلنت الولايات المتحدة والمكسيك عن مشروع بنية تحتية بقيمة 474 مليون دولار، يهدف إلى خفض عدد أيام تدفق مياه الصرف العابرة للحدود في نهر تيخوانا بنسبة 50%، وتقليص حجم المياه العادمة غير المعالجة التي تُصرف في المحيط الهادئ، على بُعد ستة أميال، أي نحو عشرة كيلومترات، جنوب الحدود بنسبة 80%. ووفقًا للاتفاق الأصلي، خُصصت هذه الأموال لمشروعات صرف صحي جديدة في سان دييغو وتيخوانا؛ إذ ساهمت الولايات المتحدة بنحو 330 مليون دولار، فيما بلغت مساهمة المكسيك 144 مليون دولار. غير أن عوامل عدة، من بينها تأخر أعمال البناء والأضرار الجديدة الناجمة عن الأمطار الغزيرة، أعاقت تقدم المشروع بصورة كبيرة.

وردًا على بطء التقدم، عيّنت إدارة ترامب تشاد ماكنتوش رئيسًا جديدًا للقسم الأمريكي في اللجنة الدولية للحدود والمياه، وهي هيئة ثنائية مسؤولة عن تنفيذ المعاهدات المتعلقة بالحدود والمياه بين الولايات المتحدة والمكسيك. ويعتزم المسؤول، الذي يتمتع بخبرة طويلة في الخدمة العامة، معالجة المشكلة عبر تأمين تمويل إضافي وتنفيذ مزيد من مشروعات البناء.

وزار لي زيلدين، رئيس وكالة حماية البيئة الأمريكية، مدينة سان دييغو في أبريل 2025 للوقوف على أزمة مياه الصرف في نهر تيخوانا ميدانيًا. وبعد الزيارة، أرسل مقترحًا جديدًا إلى المسؤولين المكسيكيين يتضمن حلًا شاملًا للأزمة. ورغم أن تفاصيله لم تُعلن بعد، فمن المرجح أن يركز على إنشاء البنية التحتية وتوسيعها.

كما تتواصل المناقشات بشأن إعلان مصب النهر موقعًا ملوثًا ذا أولوية وطنية، أو ما يُعرف بـ«موقع سوبرفند»، وهو ما سيضفي على المشكلة صفة الطوارئ الوطنية الرسمية، ويتيح موارد اتحادية أكبر بكثير لمعالجتها. فضعف التمويل وسوء الإدارة كانا من الأسباب الرئيسية التي سمحت بتفاقم الأزمة منذ البداية. ومن ثم، سيكون هذا التدفق الجديد للتمويل ضروريًا لإنهاء أزمة بيئية وصحية ممتدة منذ عقود وتؤثر في كلا البلدين.

الصورة: 10 يناير 2020، سان دييغو، كاليفورنيا، الولايات المتحدة: لافتات تحذّر من تلوث المياه على امتداد الجزء الجنوبي من الشاطئ، بينما تستعد إمبريال بيتش لظاهرة المدّ الملكي على ساحل سان دييغو. وقد أعلنت وكالة حماية البيئة الأمريكية عن خطة بقيمة 630 مليون دولار لاحتجاز ومعالجة المياه الملوثة بمياه الصرف، التي تتدفق بانتظام عبر الحدود من تيخوانا إلى خليج سان دييغو. © IMAGO / ZUMA Press Wire

More News

Cute reading robot السويد لا تزال بحاجة إلى الكتب

الصين تشدد قبضتها على جيبوتي

Erdogan and Putin shake hands as they pose for photos before a meeting on the sidelines of the 16th BRICS Summit احتمالية انضمام تركيا لمجموعة البريكس

Latest

Wuhan Institute of Virology ميزوري في مواجهة الصين: معركة قضائية أم…

Illegal vapes are displayed during a press conference لا علاج لـ«رئة الفشار»: تحذير للمدخنين…

Cougar in a cage القتل من أجل الربح: مكتب الأمم المتحدة…

Related Articles

coltan mine in Rubaya صفقة المعادن الأرضية النادرة بين…

Bottlenose dolphin الفنتانيل في خليج أمريكا يقتل الدلافين…

Egyptian President Abdel-Fattah al-Sisi (1st R) speaks at the Extraordinary Arab Summit مستقبل غزة: هل ستحل خطة مصر محل ريفييرا…

Innovation

IAEA Atoms4Food مبادرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية…

Dark Oxygen اكتشاف الأكسجين الداكن: إعادة النظر في…

Gliese 12b, which orbits a cool red dwarf star located just 40 light-years away. اكتشاف كوكب جليزا 12ب: احتمالية وجود…

Pioneers

Bruno Kreisky and Yasser Arafat برونو كرايسكي: القيادة والدبلوماسية…

Jane Austen جين أوستن – الذكرى السنوية الـ…

Golden Statue of Johann Strauss II يوهان شتراوس الثاني: الذكرى المئوية…

Language Articles

Meloni Not Kneeling to US Pressure: United we are Stronger

Введенные Трампом пошлины на китайскую продукцию оказывают влияние на полупроводниковую промышленность ЕС.

Silencio mundial sobre el papel oculto de los EAU en la guerra de Sudán

泽连斯基的副手因能源腐败丑闻被迫辞职

David gegen Goliath: iGlobenews Platz zwei beim Dr. Karl Renner Publizistikpreis 2026 – ORF (erneut) Platz eins

ميزوري في مواجهة الصين: معركة قضائية أم مواجهة عبثية؟

Quand la justice ne regarde que vers le Sud : le problème de crédibilité de la CPI

WordPress Cookie Notice by Real Cookie Banner