السويد تتراجعٍ عن سياسةٍ استمرت 15 عامًا، وستقوم المدارس السويدية باستخدام أدوات التعلم الورقية وليست الرقمية. يأتي هذا القرار بعد تراجعٍ ملحوظ في مهارات القراءة والكتابة لدى الطلاب السويديين، بالإضافة إلى تراجعٍ في الذاكرة والتركيز. فهل سيكون هذا القرار كافيًا لإعداد الأطفال بشكلٍ كافٍ للعالم الحديث؟ وهل ستحذو دولٌ أخرى حذو السويد؟
Reed McIntire
2025/4/7
English version | French version | German version
في تحول شبه كامل، أعلنت حكومة السويد أنها ستتحول من الفصول الدراسية الرقمية بالكامل إلى مزيج من أساليب التعلم الرقمية والتقليدية، مثل الكتب المدرسية. تأتي هذه الخطوة بعد 15 عامًا من الجهود المبذولة لجعل الأدوات الرقمية في طليعة التعليم، وسعيًا لمواجهة آثارها السلبية المتصورة.
في عام 2009، اعتمدت السويد سياسةً تُفضّل زيادة استخدام الأدوات الرقمية، مثل الأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر، في مدارسها الحكومية، بهدف إعداد الطلاب لعالم رقمي. وبينما لا يزال نظام التعليم السويدي من بين أفضل الأنظمة في العالم، ويتمتع بمعدل معرفة بالقراءة والكتابة أعلى من المتوسط الأوروبي، لاحظ المعلمون والمهنيون آثارًا جانبية سلبية متعددة لاستخدام الشاشات في الفصول الدراسية. والجدير بالذكر أن الطلاب السويديين بدأوا يعانون في مجالات أساسية مثل القراءة والكتابة، كما وجدوا أن شاشات أجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية تُقلل من قدرة الطلاب على التركيز.
ولمواجهة هذه الآثار السلبية، تستثمر الحكومة السويدية الآن أكثر من 100 مليون يورو لتزويد كل طالب بالكتب المدرسية المناسبة وغيرها من أساليب التعليم التقليدية. ومن خلال العودة إلى أدوات الفصول الدراسية التقليدية، تهدف الحكومة السويدية إلى تحسين مهارات الطلاب في الكتابة والقراءة، مع دعم قدرتهم على حفظ المعلومات.
مع ذلك، أوضحت الحكومة السويدية أيضًا أنها لن تتخلى تمامًا عن استخدام الأدوات الرقمية. فبدلًا من الانحياز التام لأحدى الطريقتين، تسعى إلى تحقيق توازن بينهما وتحسين استخدام الأدوات الرقمية. وفي نهاية المطاف، تسعى السويد إلى تزويد الطلاب بالمهارات الأساسية التي توفرها الكتب المدرسية وأساليب التعلم التقليدية، مع إعدادهم في الوقت نفسه لعالم رقمي.
تُعد تجربة السويد في الفصول الدراسية الرقمية جزءًا من تحرك أوسع داخل الاتحاد الأوروبي نحو رقمنة التعليم. ففي عام 2020، اعتمد الاتحاد الأوروبي خطة عمل التعليم الرقمي، وهي برنامج مدته خمس سنوات لتعزيز “التعليم الرقمي عالي الجودة الشامل والمتاح في أوروبا”. من خلال التعاون متعدد الأطراف، والمبادئ التوجيهية والأطر المشتركة، بالإضافة إلى زيادة فرص التدريب والفرص المهنية، تهدف الخطة إلى إعداد المواطنين الأوروبيين لمستقبل رقمي وإزالة العوائق التي تحول دون التعليم الرقمي عبر مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية.
يمتد النقاش بين أساليب التعلم الرقمية والتناظرية إلى ما هو أبعد من السويد والاتحاد الأوروبي. ففي الولايات المتحدة، ازداد انتشار أدوات الفصول الدراسية الرقمية بشكل كبير منذ جائحة كوفيد-19، حيث أفاد 98% من المعلمين أنهم يستخدمون نوعًا من الأدوات الرقمية في تدريسهم اليومي. بالإضافة إلى ذلك، يستخدم 66% من المعلمين الأمريكيين Google Classroom أو تطبيقات مماثلة للفصول الدراسية عبر الإنترنت وإنجاز الواجبات.
وحتى خارج الفصول الدراسية، أصبح أطفال الولايات المتحدة أكثر تعرضًا للعالم الرقمي. فبحلول عام 2013، أفادت التقارير أن 72٪ من الأطفال الأمريكيين دون سن الثامنة يستخدمون الوسائط الرقمية بشكل أو بآخر. بالإضافة إلى ذلك، ففي عام 2019، وجدت NPR أن أكثر من نصف الأطفال في سن 11 عامًا يمتلكون بالفعل هاتفًا ذكيًا.
خارج العالم الغربي، تعمل الصين واليابان أيضًا على زيادة رقمنة فصولهما الدراسية. ففي عام 2022، أعلنت الصين عن إنشاء منصة التعليم الذكي في الصين (SEC)، وهي مكتبة رقمية للدورات والمواد والأدوات للمعلمين والطلاب. وقد أشاد بعض المراقبين بالبرنامج لتوفيره وصولًا شاملاً إلى أدوات التعلم، بالإضافة إلى تحسين الوصول إلى التعليم وجودته ليس فقط للمواطنين الصينيين ولكن أيضًا للناس في جميع أنحاء العالم. وبحلول نهاية عام 2023، أفادت التقارير أن 18.8 مليون معلم و293 مليون طالب قد دخلوا إلى منصة SEC.
وبالمثل، انخرطت اليابان في مشروع مماثل من خلال برنامج الابتكار العالمي وبوابة للجميع (GIGA) . وقد وُضعت خطة GIGA في عام 2018، وهي خطة بقيمة 4.4 مليار دولار أمريكي تهدف إلى تزويد كل طالب بجهاز رقمي واتصال إنترنت عالي السرعة، ودعم المعلمين في تطوير دروس تفاعلية تُلبي الاحتياجات والمستويات الفردية. يُعد برنامج GIGA جزءًا من مبادرة المجتمع 5، وهي سياسة شاملة للحكومة اليابانية لإعداد البلاد لعالم يعتمد على الفضاء الإلكتروني والذكاء الاصطناعي والإنترنت.
وعلى الرغم من هذه الأهداف، لم يُحقق برنامج GIGA النجاح المتوقع، حيث يستخدم 30% فقط من الطلاب اليابانيين الأجهزة المُقدمة لهم يوميًا، وقد لاحظ المعلمون صعوبات في تكييف دروسهم وأسلوبهم مع الصيغة الرقمية. ولحل هذه المشكلات، أنشأت الحكومة اليابانية مجلسًا استشاريًا لإعداد المعلمين بشكل أفضل، وخصصت أموالًا إضافية لشراء أجهزة الكمبيوتر والأجهزة الرقمية للطلاب.
وقد أدى الاستخدام المتزايد لأجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية وغيرها من الأجهزة إلى زيادة الوعي العالمي بـ “الفجوة الرقمية”، والتي تُشير إلى الصعوبات التي يواجهها الأشخاص والأسر والمجتمعات ذات الدخل المنخفض في الوصول إلى المعلومات أو الوسائط الرقمية. في حين تهدف العديد من البرامج الوطنية إلى تزويد الطلاب بجهاز بغض النظر عن خلفية عائلاتهم، لا يزال هناك عدد لا يحصى من المدارس والمجتمعات التي لا تملك التمويل المناسب لهذه العناصر. على الصعيد العالمي، يُقدر أن هناك 2.6 مليار شخص لا يملكون اتصالاً بالإنترنت أو لديهم وصول محدود إليه، يعيش معظمهم في دول منخفضة الدخل أو نامية. ونتيجة لذلك، لا تزال الرقمنة اليوم برنامجًا لمن يتمتعون بمستويات معيشة أعلى.
وبغض النظر عن الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية، فإن الانتشار العام للوسائط الرقمية في أيدي الشباب كان أيضًا مصدر قلق. وقد لاحظ مراقبو وسائل التواصل الاجتماعي زيادة الاستخدام للشاشات من قبل أطفال الولايات المتحدة، وأطلقوا عليهم اسم “أطفال الآيباد”. وكثيرًا ما يُنتقد أطفال الآيباد على تيك توك، وأصبحوا مرادفين للآثار الجانبية السلبية للوسائط الرقمية على نمو الأطفال وتعلمهم.
وجدت دراسة أجريت عام ٢٠٢٣ (آثار الإفراط في استخدام الشاشات على نمو الطفل: مراجعة مُحدثة واستراتيجيات للإدارة) أن الإفراط في استخدام الشاشات من قِبل الأطفال يمكن أن “يؤثر سلبًا على قدراتهم المهامية، والنمو الحسي الحركي، والنتائج الأكاديمية”، مع “انخفاض القدرات المعرفية والأداء الأكاديمي” . وبشكل عام، فان الأطفال الذين ينشؤون على الشاشات عادة ما يمرون بتقلبات مزاجية، وصعوبات في التركيز، وضعف في القراءة والكتابة. واستجابةً لهذه المشكلات، لجأت بعض المدارس الأمريكية إلى حظر استخدام الأجهزة في حرم المدرسة.
ويسعى نظام التعليم النمساوي بالمثل إلى معالجة الآثار السلبية للإفراط في استخدام الشاشات. ففي فبراير ٢٠٢٥، أعلن وزير التعليم كريستوف فيديركير أنه سيتم حظر استخدام الهواتف المحمولة على مستوى البلاد في الصفوف الثمانية الأولى. ووفقًا لفيديركير، فإن الإفراط في استخدام الهواتف المحمولة في المدارس الحكومية له تأثير أسوأ على التعليم من جائحة فيروس كورونا، التي شهدت انتقالًا شبه عالمي إلى التعلم عن بُعد.
ومع ذلك، في أعقاب الجائحة، ازدادت التساؤلات حول آثار التعليم الرقمي. فبينما أصبحت الأدوات الرقمية ضرورة آنذاك، وُجد أن الطلاب يعانون من تراجع في مهارات الكتابة والتواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى تدهور في صحتهم النفسية بسبب العزلة.
ومع تزايد استخدام الحواسيب والأدوات الرقمية في العالم الحديث، لا يكمن الحل في تجنب الرقمنة تمامًا. بل بناءً على تجربة السويد، من المرجح أن يكون إيجاد توازن بين التعلم الرقمي والورقي هو الحل الأمثل للطلاب والأطفال في القرن الحادي والعشرين.






